الجزائر.. جبهة التحرير في قبضة رجل أعمال - أزراج عمر

الجزائر.. جبهة التحرير في قبضة رجل أعمال - أزراج عمر

 أسفرت الدورة الاستثنائية للجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني التي انعقدت الثلاثاء الماضي عن نتيجة شاحبة متوقعة خاصة وأن هذا الحزب يعاني منذ سنوات طويلة من التفكك التنظيمي ومن الانتهازية العقائدية، فضلا عن استمرار حضوره في الساحة الوطنية كبوق للنظام الحاكم في الجزائر بما في ذلك الولاء المطلق لجهازي الجيش والمخابرات.

 
لا شك أن انتخاب الأمين العام الجديد، محمد جميعي، لا يشكل في تقدير العارفين بحزب جبهة التحرير أي تغير جوهري في شخصيته المعروفة بدكتاتوريتها وإقصائها للفكر الديمقراطي، وبلعب أدوار خطيرة في إجهاض التعددية الحزبية كلما ظهرت بعض ملامحها، ما أدى إلى التكلس والشلل العام ومن ثم الانسداد السياسي الذي توج في ثمانينات القرن الماضي بإشعال نيران العشرية الدموية التي سقط فيها ربع مليون جزائري فضلا عن المفقودين والمعطوبين.
 
وفي الحقيقة فإن حزب جبهة التحرير الوطني هو المسؤول عن تصفيح الحدود مع الدول المجاورة للجزائر، سواء كان هذا التصفيح جغرافيا كما هو الوضع مع المغرب الأقصى، أو اقتصاديا وثقافيا وإعلاميا مع كل الدول المغاربية والأفريقية المتاخمة للجزائر.
 
الواضح من تصريحات محمد جميعي التي أدلى بها فور فوزه بالأمانة العامة أنه لا يختلف عن أسلافه الذين يكيلون المديح لمؤسسة الجيش، حيث أنه أبدى ولاءه بإلحاح مفرط لهذه المؤسسة العسكرية التي يفترضُ أن تُعامل كمؤسسة دفاع وطني بعيدة عن الشأن السياسي، وفي نفس الوقت قام بمغازلة الحراك الشعبي الذي ما فتئ يدعو منذ انطلاقته في 22 فبراير الماضي، إلى تنظيف الجزائر من جميع أحزاب النظام الدكتاتورية التي تدعى في الحياة السياسية الجزائرية على سبيل التخفيف، بأحزاب الموالاة وفي مقدمتها حزب جبهة التحرير الوطني الذي ألحق أضرارا جسيمة بتراث حركة التحرر الوطني، حيث تمكن منذ تحوله إلى واجهة للجيش والأمن بعد الاستقلال من خنق المشهد السياسي الوطني بمرض الأحادية، ومن الإطاحة بكل المبادئ التاريخية التي تميز بها النضال التحرري على مدى 130 عاما.
 
ماذا يمكن أن يفعله هذا الرجل الآتي من عالم التجارة المحلية والاستثمار في إطار سياسات صنع أثرياء بدون وجه حق، لكي ينظّف حزب جبهة التحرير الوطني من كل ما علق به من السلبيات والفشل السياسي والثقافي والفكري والأخلاقي على مستوى جميع الأصعدة؟
 
تفيد الشواهد بأن حزب جبهة التحرير الوطني منذ الاستقلال حتى اليوم يفتقد إلى المشروع النهضوي والحداثي اقتصاديا وثقافيا وفكريا، فما هو هذا البديل الذي سيخترعه الأمين العام الجديد على أنقاض انعدام أي برنامج يمكّن من إخراج الجزائر من ظلام الأحادية كأسلوب للحكم وتسيير شؤون الدولة ومن التبعية لقشور الرأسمالية المتوحشة الغربية؟
 
لقد أثبتت التجارب أنّ تجسيد أي مشروع نهضوي مشروط بتوفر مهندسي الدولة الحديثة ومفكريها، ولكن المجموعة التي يوجد معها محمد جميعي على رأس اللجنة المركزية والمكتب السياسي بحزب جبهة التحرير الوطني لا تتضمن أي مثقف سياسي له شأن وأي مجموعة تفكير وأي كتلة بشرية تقدر أن تقوم بتفعيل التنمية العصرية بما في ذك تنمية الإنسان الجزائري وشخصيته القاعدية.
 
ربما يتفاءل البعض بأنّ الأمين العام الجديد ينتمي إلى جيل الاستقلال ولا تقيده أغلال الحرس القديم المتمثل في الذين دعاهم المفكر الجزائري محمد أركون في نقده لتخلف مرحلة الاستقلال الجزائري بـ”أصحاب أيديولوجية الكفاح”، ولكن مجيء جميعي من عالم التجارة المحلية والاستثمار الاستغلالي الذي شجعه النظام في الجزائر سيؤثر على مستقبل هذا الحزب، خاصة وأن الحراك الشعبي يطالبه بالاختفاء من الحياة السياسية.
 
لقد كان حزب جبهة التحرير الوطني عنوانا للحكم الأحادي والبطش بالتعددية الحزبية وبحرية الرأي وبالتعددية الثقافية، ثم صار عنوانا لحكم الرجل الواحد في مرحلة حكم عبدالعزيز بوتفليقة، فهل سيقبل الآن أن يرحل إلى المتحف أم سيبقى يطارد شبح السلطة الأبوية؟