حول معراج د آمنة الربيع بقلم د ميسون حنا

 حول معراج د آمنة الربيع بقلم د ميسون حنا
المعراج نص مسرحي للدكتورة آمنة الربيع يقع في 118 صفحة من القطع المتوسط ، وارتأيت أن أكتب حوله لألقي عليه الضوء فهو نص داعم للحياة والفضيلة والخير .
 
تبدأ المسرحية باستغاثة راكبي الفلك المشحون الذي تتقاذفه الريح العاتية ويكون موشكا على الغرق . وهنا تبرز عند الكاتبة  معرفة ودراية بعلم الإخراج المسرحي حيث تكتب نصها باسلوب إخراجي ممتع ، إذ يقرأ القاريء النص متخيلا ما يدور على خشبة المسرح ، وبذكاء المخرج تظهر لنا الكاتبة الفلك وهو يتحطم ، ومن بين الأشلاء والجثث ينهض طه بثيابه الرثة وأنفه النازف ويحمل معه صرة جلدية غريبة الشكل ، ينظرون اليه باهتمام وعجب بينما يصرخ بكلمة المعراج .
 
وهنا تريد الكاتبة أن تقول أن طه أتى إلى هذه البلدة بإلهام من السماء فهذه البلدة معراجه وعليه ان يصلح شأنها ، واختارت الكاتبة  تسمية المعراج لتضفي عليها هالة من القداسة تيمنا بمعراج الرسول عليه الصلاة والسلام.
 
طه يظهر بأنفه النازف حيث أنه لا يستطيع رؤية دماء البشر المسفوكة ولا حتى دماء الحيوانات فهو ينزف معها ويتألم  آلامها  وهنا تجسيد لشخصيته المحبة للإنسانية والبشرية والخير ، نعم فهو صاحب المعراج وعليه أن يسعى لتخليص الناس من الظلم  والشر حيث أنه مستشر في هذه البلدة التي رسا إليها فلكه المشحون . وتظهر بالمسرحية قوتان متضاربتان تمثلان الآلهة سات رمز الخير ويجسدونها كل من طه وحنين واسافة وحاطب ، وقوة الآلهة آست رمز الشر ويجسدونها كل من لهب وتماضر  ووكيل الدين والمولى الذي لا مولى له .
 
طه يعتكف بالجبل للتعبد وعندما يقترب من الناس يسجل ملاحظاته وتكون له تأملاته ، ذاع صيته واحبته الناس لخصاله الحميدة  فهو يشفي بلا أجر ، ويعتمد بشفائه على الايحاء وعلم النفس فهو ليس طبيب ولكنه يشفي حنين المعنّى بداء الحب ، وحنين ابن لتماضر ولهب وهنا تريد الكاتبة أن تقول أن حنين الذي يتقن الحب ويعيشه بأحاسيسه هو حتما شخص ايجابي من أتباع الآلهة سات عكس والديه لهب وتماضر فهما شريران يمثلان قوى الفساد في عالمنا الحالي وهما حتما من أتباع الآلهة آست رمز  الشر
 
يأخذ طه عهدا من لهب والد حنين أن يزوجه بمن يحب ، وعجبا تكون هذه الفتاة إسافة التي راودت طه عن نفسها وهو معتكف في كوخه ، وأمام رغبة منه وكبح جماحها تتغلب الفضيلة عليه ويترفع عن الوقوع في الرذيلة ، وهذه إشارة لشخصية طه الإيجابية التي تتصارع مع متنازعات نفسه الراغبة أحيانا بمتاع الدنيا الزائل ، وإذ يتغلب على نفسه إلا أنه في لقائه مع نائلة التي تعجب به وتراوده عن نفسها ايضا ، وتعرض عليه مالها حيث أنها صاحبة ثروة طائلة وهي زوجة هولاك سيد البلدة وهما معا يشكلان قوى الطغيان والظلم حيث  يستبيح هولاك أجساد الفتيات في البلدة بمساعدة نائلة التي تجز شعرهن وتقدمهن اليه . طه ينساق للرذيلة مع نائلة إلى حد ما ويكبح جماح رغبته ولا يسمح لنفسه الانزلاق إلى الهاوية ، وهكذا يكون صاحب المعراج لا يليق بمعراجه ، فالمعراج مغروس في قلوبنا وضمائرنا  بنقائه وقدسيته أما طه الذي يسمح لنفسه الانحراف أحيانا عن الخط المستقيم ، ومع أنه يتدارك نفسه إلا أنه ليس منزها عن الخطأ
الذي يليق بنبي . هو زرع السنابل في كل مكان استطاع الوصول إليه ، لكن اليد التي زرعت هذه السنابل لا تخلو من الشوائب
ورغم أن الشخصيات الممثلة لقوى الخير تتبرع وتسقي هذه السنابل إلا أن هذا لا يحمي البلدة من التردي فطه نفسه تنبأ بغرق البلدة المستشري بها الظلم والفساد وفي نهاية المسرحية يضرب الإعصار اليابسة وتتحقق النبوءة ونرى اليابسة تغرق أمام تضرعات الناس . 
 
وهنا يبرز قلق الكاتبة الكبير إزاء واقعنا الذي نعيشه الآن حيث تنتصر قوى الظلم والفساد على حياتنا وهي تريد أن تقول أن حياتنا مهددة  بالإنقراض ما دمنا مبتعدين عن الفضيلة وهي دعوة منها للناس أن يستحثوا الخير في نفوسهم ولقادة الأمة أن يجعلوا الفضيلة ومخافة الله  أمام أعينهم ليتحاشوا الهلاك ولينقذوا ما تبقى من خير في ضمير الأمة المعذب ، والله ولي التوفيق .