أثر التسامح في حياتنا

أثر التسامح في حياتنا
الكاتب : نهيل الشقران

لا يخفى على ذي بصيرة أنّه لا يمكننا أن نحصر التسامح في تعريف واحد مانع جامع ، فمن علماء الاجتماع من يرى أنّه التعدّد والتنوّع ، ومنهم من يرى أنّه القبول بأفكار وآراء الأخرين ، وأنا أرى مفهوم التسامح قد تمثّل في قول الله تعالى في القرآن الكريم :"   يا أيّها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا " 

 

فالأساس الذي خلق الله الكون عليه ، عدم التفريق بين الناس بسبب دينهم أو ألوانهم أو اختلاف ألسنتهم ؛ فأصلهم واحد ؛ أبوهم واحدٌ وأمّهم واحدة ، وإنّما جعل الله تعالى اختلاف اللغات والألوان مظهراً من مظاهر قدرته ، قال تعالى :" ومن آياته اختلاف ألوانكم وألسنتكم " 
 
ولا يمكن للشعوب أن تختلط ببعضها ، وأن تتلاقح أفكارُها وتتمازج إلّا إذا سادت المحبّة وانتشر التسامح والوئام بينهم . وفيما يأتي سنحاول أن نبيّن ما للتسامح من أثر  في المجتمع الاسلاميّ .   
 
والتسامح كخُلُقٍ إسلاميّ ساعد كثيراً في نشر الإسلام على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعات ، في المجتمعات التي فتحها المسلمون ، وذلك لمّا رأى أهلها كيفيّة تعامل المسلمين مع غيرهم ممّن يعتنقون أدياناً أخرى . فقد كان المسلمون يخيّرون أهل البلاد المفتوحة بين أن يدخلوا في الإسلام ، أو يبقوا على دينهم مقابل أن يدفعوا الجزية ويقوم المسلمون بحمايتهم ممّا يحمون منه أنفسهم ، أو الحرب كملجأ أخير . 
 
ولقد ضرب لنا رسولنا الكريم محمّد صلى الله عليه وسلّم أروع الأمثلة في التسامح حين عفا عن سفّانة بنت حاتم الطائيّ وقومها حين وقعوا في الأسر ، ممّا جعلهم يدخلون في الإسلام .
 
ولا ننسى يوم فتح المسلمون مكّة ، جمع أهلها المشركين وقال لهم : ما ترون أنّي فاعلٌ بكم ؟ فقالوا : أخٌ كريم وابنُ أخٍ كريم ، فقال : اذهبوا فأنتم الطّلقاء . فكان ذلك سبباً في دخول زعيمهم أبي سفيان وزوجه هند بنت عتبة الإسلام ، تلك المرأة التي كانت من ألدّ أعداء الإسلام ، فدخل الإسلام معهما رهطٌ كبير من المشركين ، لِما رأوه من سماحة الإسلام . 
 
كان هذا على صعيد أثر التسامح في نشر الاسلام بين الأفراد والمجتمعات أو الجماعات ، وبعدها دعونا نرى ما للتسامح من دور في تمازج الثقافات والحضارات بعد دخول مختلف الأعراق فيه . 
 
وحين اتّسعت رقعة الدّولة الإسلاميّة ، ودخلت بعض الشعوب غير العربيّة الإسلام ، أدّى ذلك إلى اطّلاع المسلمين على حضارات غيرهم من الشعوب ، واطّلعت الشعوب الأخرى على ما وصل إليه العرب من ثقافات وحضارة ، فشكَّل ذلك مصدر غِنىً للمجتمع الاسلاميّ الجديد ، فقد أخذ العرب بعض العادات والتقاليد التي تتواءم والدين الإسلامي ، وترك المسلمون من غير العرب بعض العادات والتقاليد التي تتعارض مع الدّين الجديد ، ومن مثال ذلك عادات المأكل والملبس . 
 
كما لم يجبر المسلمون من بقي على دينه على الدخول في الإسلام ، امتثالاً لقول الله تعالى : " لا إكراه في الدّين " وخير مثالٍ على ذلك تعايُش المسلمين مع اليهود والنّصارى في الأندلس ، حيث وصلت الحضارة الإسلاميّة أوجها هناك ، وقبلها لا ننسى العصر العبّاسي الأول حين اختلط العرب بالأتراك والفُرس ، فكان عصر الازدهار والرّقيّ . 
 
فمثلاً  كان للفرس دور هام إيجابي في بناء الحضارة العربية الزاهرة، وكان لهم الفضل الأكبر على اللغة العربية والأدب العربي، وكل من جاء بعدهم من الأدباء والشعراء الأعلام. ويظهر ذلك فيما نلمحه من آثار طيبة في تألق شعر المتنبي، وبيان المعري، وبلاغة الشريف الرضي، ومن جرى في مضمارهم ممن نعدهم عنوانا كريما لهذا العصر.
ولنسأل أنفسنا هل التسامح مصدر قوّة أم مظهر ضعف للمجتمعات ؟؟ 
 
إنّ التعصّب والفرقة عكس التسامح ، ومن أوّل آثار التعصّب والفرقة ، كثرة الحروب وانتشار الفوضى والعنف في المجتمعات ؛ لغياب التسامح فيها  ، وهذا يقودنا إلى اعتبار أنّ التسامح وقبول الآخر  - لا شكّ - مصدر قوّة ومَنَعة للمجتمع ، بل إنّ التسامح والتعدّديّة والتنوّع يعتبر من مظاهر قوة الدولة ، وخيرُ مثالٍ ما أوردته آنفاً حول المجتمع الإسلاميّ في العصرين ؛ العباسي الأول والأندلسيّ . مثل تطور العمارة الاسلاميّة ، والعلوم المختلفة من علوم الحديث والقرآن ، وعلوم الطب والفلك وغيرها كالرياضات والحساب . 
 
ولو انكفأ كلّ عرقٍ أو كلّ جماعة تعتنق ديناً واحداً ، على نفسه ، لساد الجمود وبقي كلّ فريق على ما هو عليه دون أن يتقدّم قيد أنملة . وبذا تقود الأمم نفسها نحو الزوال والاندثار . 
 
ممّا تقدّم يتبيّن لذي البصر والبصيرة ما للتسامح من أثر طيّب في بناء المجتمع الإسلاميّ على مرّ العصور والتاريخ ، وأنّ الدّين الإسلاميّ حثّ أتباعه على التسامح ، وما أكثر الآيات الكريمة التي نزلت فيه ومنها : 
 
قوله تعالى :" وجادلهم بالتي هي أحسن " 
 
وقوله تعالى :" ادفَع بالّتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم " 
 
وقوله تعالى : " ادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحَسَنة "
 
ولمّا كان الله تعالى - وهو العليم – يعلم ما للتسامح من أثر طيّب في المجتمع الإسلاميّ فقد حثّ بُناة الإسلام وعلى رأسهم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلّم على اتّباعه في معاملاتهم جميعها . 
 
 
الكاتبة : نهيل الشقران