ديماغوجية الغول

الكاتب : صابر العبادي

في سذاجة الطفولة كانت حكايات الغول تتسلل إلينا كل ليلة من خلال الظلمات المحيطة بالبيوت البسيطة.. كانت تخيّم صورة شريرة على المكان، لا نتخيل إلا الخوف يتشكل لنا بصور بشعة، أحيانا بصورة امرأة شريرة، أو بصورة رجل شوهاء، وأحيانا بصورة حيوان غريب الخلقة، وتتراقص في مسرح الليل المظلم أشباح تنادي بالموت، كأنها تمد أيديها الوحشية إلى أجسامنا الصغيرة فيقشعر لها البدن ... تهاجمنا مع كل نبرة مرتفعة من صوت القاص، فتحملنا من شعرنا وترفعنا إلى الأعلى، ثم تطيح بنا مع هدأة الصوت الى القاع حتى تكاد أرواحنا تغوص في أرضية البيت الترابية..
لا تفارقنا الخيالات المجنونة للغول مع بزوغ الشمس، قد تجعلها شمس النهار شفيفة، فيبقى أثرها يجمح باضطراب في أطراف رؤوسنا خيالات تظل تتكثف مع زوال الشمس حتى تعود لها الحياة مع غيابها..
لا أحد منا كان يدرك أين تختبئ الغيلان، ولماذا تختبئ وهي القوة المطلقة، والخوف الأزلي، الذي يطاردنا، دون أن نراه، إنها القيد الذي يقيد عقولنا، ويطارد خيالنا كوحش كاسر أدمن مطاردة فريسته ولا يقبض عليها، ليتسلى بنظرات الخوف وانفعالاته الهستيرية..
يفضّل القبض على فريسته، بأن يبقى مهيمناً على خيالها، يعشش، في زوايا ذاكرتها، لتبقى صوره معلقة على جدران الوهم المتجذر في حياتنا، ولا يتحرر منه مع الوقت إلا كلُّ من نفض غبار الوهم عن ذاكرته، وكَبُر دماغه حتى قطّع خيوط الوهم التي نسجتها عناكب الحكايات في ظلام الوحشة الغائرة في بئر الماضي المعطلة..
لا نعرف، أو أننا نحاول أن نعرف هل كان القصاصون يؤمنون بوجود الغول، أم أنهم لا يؤمنون، ومهنتهم أنهم يصنعون الخوف ليتحكموا في سلوكنا، ليديموا الظلمة وما بها من أشباح في حياتنا، من أجل أن يسيطروا على أمانينا ويقمعوا طموحاتنا، بطريقة غير أخلاقية...
ما أكثر القصاصين، وما أبشع الغيلان، وما أظلم البلاد التي تحارب الضياء والنور الذي يمحو أخيلة الغيلان، تخنق الضياء وتصر على الاحتفاء بالظلام...
.........
* ديماغوجيا بمفهومها السياسي تعني: مجموعة الأساليب التي يتبعها السياسيون لخداع الشعب وإغرائه ظاهرياً للوصول للسلطة، وخدمة مصالحهم..