عاجل

العضايلة : المطارات ستبقى مفتوحة لاستقبال المواطنين ومغادرة غير الاردنيين

نِداء إلى حكومة النهضة : عامِلونا كما تُعاملونَ اللاجِئين وأُسوةً بهم !

الكاتب : أ. د. محمد تركي بني سلامة

كُنا قد حَذرنا سابقًا بأنّ مرحلةَ ما بعدَ كورونا لا تَقِلُ خُطورةً عن مرحلة تَفشي الجائحةَ و إنتِشارها .و ها نحنُ اليوم نُعيد من جديد ما أشَرنا إليهِ مِن قَبل رغمَ عدم إنتهاء الجائحة وبقاءها ؛ في وَقتٍ بدأت فيه آثارُ الجائحة بالظهورِ على السطح لِتنعكسَ على الحياة بمُختَلف جوانبها الإقتصادية ، والإجتماعية، والسياسيّة التي تُشكِل تَحدياتٍ جَسيمة للدولةِ والمجتمعِ على حدٍ سواء .
لعلّ أكثرَ الفِئات المُتضررة من الجائحة، و الإجراءات الحكومية الإستثنائية المُتخذة في سبيل مُواجهتها هي: فئةُ العُمالِ و أصحاب المهن الحرة ، و المُتعطلين عن العملِ مِمَنْ لا مَصدر دخلٍ لديهم ،ولا يملِكونَ ثمنَ قوتَ يومهم ،وعددُ كبير للّذين أُرغِموا عن التوقف عن العمل ؛لِتزدادَ مسؤولياتهم و أعبائهم المالية، وعلى رأسها المستحقات المالية المُتراكمة عليهم لِصالح شركة الكهرباء ؛والتي تُطالبهم الآن بالسَداد الفوري، و دفعِ كافة الذمم المُترتبة عليهم ،وإلاّ سيتم فصل التيار الكهربائي عن كافةِ المُتَخلفين عن الدفع ،لا لشيءٍ فقط لأنهم بِلا عملٍ ولا مالَ لديهم ! والناسُ لم تلتَقط أنفاسُها بعد مِن إرتفاعِ فواتير بداية العام ،والتي شكّلت الحكومة لجنةً فنيّةً للتحقيقِ فيها ،ولم تظهر نتائِجُها حتى الآن !
يحدثُ هذا في ظلِ أجواءٍ صيفية حارة جدًا لايُمكن الإستغناء عن الكهرباء ولو لِسويعات ؛فكيفَ بفَصلٍ شامل للتيار الكهربائي ؟ أنّى لهم تشغيلَ المراوح لِتحمل الحر ؟ وكيفَ لهم الإستغناء عن الثلاجة التي تحفظ الأطعمةَ ،وَتُبرد الماءَ لهم ،و تُحافظ على صلاحية الأدوية والعلاج للعديد من المرضى لا سيّما مرضى السكري ،الذين يواضبونَ على أُبَر الأنسولين ؟ وغيرها من الأجهزة الكهربائية الضرورية ،واللازمة لإستدامة الحياة الإنسانيّة الكريمة !
إن ماتقومُ بهِ شركةُ الكهرباء من تَصرفاتٍ بعيدة كل البُعد عن التكافل الإجتماعي ،و التعاون الإنساني خاصةً في ظل هذه الظروف تُعَدُ خَرقًا واضحًا للدِستور الأردني ؛فالحَقُ في الحياةِ ،والحقُ في مستوى مَعيشي لائِق مِن أبسط حقوق الإنسان التي نَصّت علَيها الشرائعُ السماويّة ،و المواثيق الدولية ،و نصّ عليها الدستور الأُردني و كَفِلَها للمُواطن الأُردني ، فَكيفَ للمواطن التَمتُع بهذه الحقوق دونَ ماءٍ أو كهرباءٍ أو غذاء ،والتي تُعد مُقوِمات الحياة البشرية وأساسها ؟
يُعد إنتهاكَ حقوق المُواطن المَكفولةَ بموجبِ الدستور جَريمةً كُبرى ينبغي أن يُحاسِبَ عليها القانون ،و تَجاهل مُعاناة وأَلَمَ المُواطنين في هذه الظروف الإستثنائية هو نَوعٌ من اللامُبالاة ,والعبث بالسِلمِ الأهلي التي تُمارِسها شركاتُ الكهرباء دونَ إلتِفاتٍ للدستور الذي يعد سيد القوانين ؛ضارِبةً بأخلاق المجتمعِ من رحمةٍ وشفقةٍ ،و تعاطفٍ وشعور بالآخرين عرضَ الحائط ، غير مُكترثةٍ لحجم المعاناةِ التي هُم فيها ، ودونما إدراكٍ لِهول المصاعبِ التي يكافِحونَ في سبيلِ التعايشِ معها ! مُمارسات كانت السبب الرئيس لإعتداءِ المُواطن على موظف شركة الكهرباء ؛عندَ قدومه لِفصلِ التيار الكهربائي عن منزله ، ونحنُ هنا لا نُبَرر الإعتداء على الموظف المأمور، لكننا نؤكد أنَ قسوةَ الحياة التي يكابدها الأردني خَلقت منهُ مُواطِنًا مُتمردًا على القانون خارجًا عن الأنظمةِ ؛ حتّى كفَر بالوطن الذي باتَ يقسو على أبناءه ،و يحنو على سواهم !
نعم يا سادة إن الظُلمَ قادرُعلى تحويل الحَملِ الوديع إلى وحشٍ كاسر، والحرمانُ كفيلٌ بِغَرس بذورِ السخط ُوالكراهية في نفوس المحرومين ،حينَ يبلغُونَ مرحلةً يجدونَ فيها أنفُسهم غُرباء في الوطن ،فاقدينَ لأبسطِ حقوقهم،لاملجئ ولا منجى لهم فيه ؛إلا الموت !
إنَ واقِعَ الحياةِ التي تُرهق كاهل الأردنيينَ اليوم سَببت لهُم أمراضًا ،و عُقدًا نفسيّةً لا خَلاصَ منها ؛بل أضحت دافعًا للتفكير بالإنتحار لا سّيما فئة الشباب ،و المُتابع للشأن الأردني يجد أن حالات الإنتحار إزدادت في الآونة الأخيرة في المجتمع ؛وبكل أسف لم تجد أحدًا من المسؤولين يقف عندها ،ويبحث في أسبابها ،و مسبباتها . لن نُبالغَ إذا قُلنا أن الكثيرَ من الأردنيين يشعرون اليوم أنهم مُحاصرينَ في سِجنٍ كبيرٍدائمٍ؛فالسجنُ ليسَ الزِنزانة، أو الجدران الأربعة فقط ؛ هو الفقر المُدقع والخوفُ الدائم ،والفساد المُستشري ،والإخفاق المُستمر،والإصلاح المستحيل !
منذُ مايزيد عن قرنٍ من الزّمان إستقبلَ الأردنُ ملايينَ المهاجرينَ و اللاجئين و النازحين ؛بالرغمِ من محدودية موارده ،والحجم الإقتصادي البسيط ،إلا أنه تم توفير الحد الأكبر من شروطِ و مُتطلباتِ الحياة الكريمة لهم . لم يحدث و أن تم قطع الماء ولا الكهرباء عنهم ! فهل باتَ كثيرًا على الدولةِ أن تُعامِلَ المُواطنَ الأردني أُسوةً بما تُعامِلُ به اللاجئ ؟
إن سياسات إفقار و تجويع ،و إذلالِ الأردنيين ،وتكميم الأفواه والإعتقال هو شكلُ من أشكالِ العُنف الذي تُمارسهُ الدولة بِحقِ الأردنيين .لقد أصبحت الحياةُ في البلاد غير مُمكنة ،والخُروج منها غير مستطاع ؛فما هي ردودُ الأفعال التي تتوقعها الحكومة في ظل هذه الأوضاع المأساوية التي تطغى على حياةِ الغالبيةِ الساحقة من أبناءِ المُجتمع الأردني ؟
يتمددُ الفقرُ في البلادِ كما التَصحرُ في الصحراء، و يُثقِلُ البؤس والمعاناة وقسوةَ الحياة كاهلَ الأردنيينَ إلاّ أن في عروقهم ،وفطرتهم و تراثهم ،وتاريخهم الكثير من الكرامةِ و الكبرياء ،و صِدقَ الإنتماء،و الحرصَ على الصالح العام ،و تَحمِلهم هذه السجايا على التشبث ببقايا الوطن ، والحرص على تَجنيبهِ الفوضى و الخَراب،والدمار الذي عَمَ من حولِنا . لكن كيفَ السبيل إلى الصلاحِ ، ،وتَغيُر الأحوال ،وإستقامةِ الأمور ،وإدامة الإستقرار؛بل كيفَ سَيَعُم الأمن في بلادٍ تتولى إدارتها حكومةً لا تُفكرُإلاّ بمنطقِ الشركةِ ؟
الشركةُ غايتها و دينها ،وشرفها المال والربح ،ولا شيءَ سوى ذلك ! كيفَ سنستعيدُ الثقةَ بينَ المٌواطنِ والدولةِ في بِلادٍ يزدادُ فيها الفُقراءُ فقرًا وعددًا،ويزدادُ الأغنياءُ غنىً فاحشًا ،ويُغَضُ فيه البصرعن الفسادِ و الفاسدين ؟ الفقرُ المدقِع ،والغِنى الفاحِش في المجتمع الواحدِ هي وصفةٌ أكيدةٌ و مُجربة للإنفجار ،والخَراب والتدمير عاجِلًا غيرَ آجل .
بِتنا عاجزينَ عن التَصَرف ،حائِرينَ ما السبيلُ في جعلِ الحكومة وشركة الكهرباء تُعاني بَعضًا مما يُعانيهِ المُواطنون ؛علّهُم يشعرونَ بِمعاناتهم ؟ يُساوُرنا الشَكُ في أن هؤلاء المسؤولين ذوي طبيعة بشرية سَوية ،وهم يُمارِسونَ الإستِقواءَ على المواطنين ،و يَبرعون في إنتهاكِ حقوقهم الإنسانيّة بِطريقةٍ مَقصودة ومُستمرة لا مُبَرِرَ لها إلاّ الخروج عن الفِطرة السليمة التي فَطرَ الله الناسَ عليها !
وخِتامًا ؛إذا كانت حكومةُ النهضةِ ترفضُ أو تعجِزُ عن مُعامَلتِنا أُسوةً باللاجئينِ ،و تُصِرُ على جَلبِ النهضة للناسِ من خلال المعاناة والتضييق ،و سَتر نَذالة و رذائل الأغنياء الفاسدين الذين يقتاتونَ من موائد الفقراء تاركينَ لهم فُتاتًا لا يسد جوعَ أطفالِهم ! والعملَ على تغطية و حجب فضائل الفقراء المُعدَمين الذين لا يستطيعونَ العيشَ ؛فإننا نُريدُ أن نكونَ أَقَلَ نهضة و تطَوُر و حَداثة .نَودُ أن ترعى شؤوننا حُكومة بِدائية رَجعية لَم يَدخُل رئيسها أو أحد أعضائها أيًّ من جامعات الغرب ، ولم يعمل أحدهم في مُؤسساته ؛ولكن لديهم طبيعةً إنسانيّةً تحتَرمُ مَشاعرنا وتعتبرُ كرامتنا جزءٌ لا يتجزأ من كرامَتها ، ولدى رئيسها و أعضائها رجولةً تَحمِلُهم على وقف تغول الشركات على المواطنين ،ولديهم من النخوة ما تدفعهم للشعور بالآخرين . نُريدُ حكومةً لا يُزايُد علينا أعضائُها ،ويُنكروا الفسادَ في التعييناتِ الحكومية قَبلَ أن يُطهّروا أنفُسَهم من الفساد ، ويكون لِسان حالهم نحنُ في خِدمة الشعب كما أعلنها الشهيد وصفي التل-رحمه الله- : " الحُكومة خادمة للشعب ؛لا سيّدةً عليه ". لا يَتبجح أعضائها بِمقولةٍ نتحدى الشعب على النحوِ الذي نَشهَده من تصرفاتٍ رعناء وتصريحاتٍ غير مسؤولة من قِبَل بعض أعضاء هذه الحكومة !
كفى إساءة وظُلم ،وأَلَم ونُكران وجُحود لهذا الوطن الطاهر الصامد، ولِهذا الشعب الصابر المُرابط القابض على جَمر الوطن .هذه الحقائق يجب أن تكونَ واضحةً و مفهومةً في كُلِ ذهن و عند كُل مسؤول صَغُرَ أم كَبُر .مَنْ أرادَ النهضةَ عليه أن يعلمَ علمَ اليقين ؛أنها تَكمنُ في بناء الإنسان لا في هَدمه ،وفي إعلاء شأنهِ لا في تهميشِه ، وتحقيق مستوى معيشي كريم له لا بإفقاره وتجويعه ؛لكي يتمكن من بناء وطنه ،ويساهم في رِفعته لِيكونَ حاضرًا وبقوة بين الدول ؛ نهضةُ الدول في بناء مواطن فاعل وقادر، وخرابها يبدأ من القضاء على أبناءها ؛ فلا داعي لإطلاق الرصاص عليهم ؛يكفيكَ أن تقتل أحلامهم وتُجهضَ آمالهم وطموحاتهم لِقتلهم بصمت !