تأملات في ٱيات الحج - عبداللطيف العسلي

يوم حزين لم أشهده منذ أربعين سنة في حياتي يمر هذا اليوم وعرفات لم تتعرف على زوارها ولم تلبس حلتها البهية الزاهية ،لم يعد لدى المسلمين للعيد طعم كما لم يعد للمناسبة فرحتها لا شك أننا نمر بظرف استثنائي لكن ما يزيدنا حسرة وأسى ليست كارثة كورونا الخارجة عن إردتنا بل وما يتسببه المسلمون من كوارث الحروب فيما بينهم .، لا أخفيكم أن هذا المشهد الحزين لعرفات دفعني للتأمل بهذه الٱيات من سورة البقرة حين لم أجد من يواسيني ففزعت إلى كتاب رب العالمين وادعوكم للتأمل بها لعلنا نستنشق منها نسائم الإيمان ولوامع الأنوار ما يغسل به عنا هذه الكٱبة قال تعالى :

(( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)
نسترشد من الٱية الكريمة أمورا :

أهمها ١ أن من دخل مع الله في عمل مشرورع فعليه أن يتمه وليس له أن يتركه اختيارا فإن منعه مانع وجب عليه الفدية جبرا للخلل وتحقيقا لتمسكه بمقصده (فإن أحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )

٢ ولأن غلبة النفس البشرية تبدأ متحمسة في أيةعمل وحين يشرع فيها تظهر له معوقات ومشاق لم تكن بالحسبان فيميل الى عذر نفسه وعدم الجدية مع ربه لذلك عالج الله هذا الخلل بحكمته البالغة حتى لا يكون الله لدى العبد أهون رقيب فأوجب بأن يتمها بجميع شروطها وأركانها دون نقص فلا يتمها قبل بلوغ تمامها ولا يتجاوز ركنا من أركانها أو يقفز على شرط من شروطها فإن اعتراه التقصير لمبرر خارج عن استطاعته لمرض ...وغيره ((فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ))

٣ الأصل ان من قصد شيئا وحدد الوسيلة ووضع الهدف عليه الا يعدل إلى غيره فإنه من التذبذب لكن إن رجع الى خيار مقبول وجب عليه جبر هذا الخلل عدل من الحج الى العمرة او جمع بين الحج والعمرة بأشهر الحج (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)

٤ حتى الجبر للخلل قد يصعب على البعض ومع ذلك لا يسقط فيخفف (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم تلك عشرة كاملة ....)

٥ ختمت الٱية بوعيد شديد اللهجة
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب )
لماذا جاء هنا الوعيد الشديد ؟
لها عدة اشارات احذر ايها الإنسان تتلاعب بهذه الشعيرة فهي لله وحده فلا تصدوا عنها ولا تجعلوها لتعظيم رموزكم واشخاصكم فهي لتعظيم الله وحده واحذروا ان تجعلوها لعبا ولهوا واستهزاء ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ....)
ثم فسر هذا التهديد الشديد الٱيات بعد هذه الٱية .
قال تعالى :
..((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) )) البقرة .
في الٱية إشارات عظيمة أهمها :

١ أنه ليس من حق أحد أن يقرر الزمان الذي تقوم فيه فريضة الحج
فمن يحدد زمن الحج هو الله وحده ولم يفوض الله أحدا في تحديد الزمان وبالتالي فليس لأحد من المخلوقين أن يقرر من يحق له من المسلمين الحج ومن لا يحق له الحج .

٢ الحج أشهر معلومات وهي
شوال
وذو القعدة
وذو الحجة

٣ لم يكن تشريع الله بجعل زمن الحج ثلاثة أشهر اعتباطا أو جزافا إذ هو الحكيم العليم

إذا من أراد أن يحوز الأجر كاملا فل يغتنم أشهر الحج كاملة فيشرع في الإحرام للحج بأول شوال ويتحلل يوم العاشر من ذي الحجة ، فاذا فرغ من أعمال الحج سيكون باقي له خمسة عشر يوما تمكنه من العمرة والزيارة ولا شك أن من تزود بالتقوى الذي تحققت له من أعمال البر والطواف والصلاة في ثلاة أشهر خير ممن اقتصر الحج بثلاثة أيام قال تعالى (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى )
وقال تعلى: (ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم )
فأكمل ثواب الحج ينالها من استغرق هذه الأشهر الثلاثة
وأقله ثلاثة أيام ورحم الله الوالد أحرم للحج في أول شوال وتحلل من إحرامه يوم العيد العاشر من ذي الحجة نسأل أن يتقبل منه ويغفر له ولا نزكي على الله أحدا وان يبلغنا منازل الصالحين

٤ كما لا يتم أي عمل إلا بأن يوافق طلب الشارع ويكون خالصا لوجه الله كذلك هو الحج فمن دخل في الحج فليترك كل ما كان يعتاده من سفاسف الأمور مما يشوش عليه حجه ويحرمه تزكية نفسه ويتسبب له بالاستفزات الشيطانية، واكثر ما يحرم الحج من الثواب الرفث والجدل والفسوق فكيف لك أن تغتسل بماء التوبة إذا لم تتوقف عن المعاصي ؟
قال تعالى : ( فمن فرض فيهن فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ...)

٥ أكبر ثمرة يجتنيها الحاج هي تقوى الله وأكبر منزلة يحققها أن يكون من أولي الألباب وهم أصحاب العقول المدركة بنور الإيمان التي تشبعت بزاد التقوى .
هذا هو الزاد الأعظم الذي عقد الحاج العزم على التزود به ومع ذلك بينت الأية التالية رفع الحرج عنه بابتغاء فضل الله قال تعالى :
.
(( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) البقرة
من أهم الإشارات التي أشتملت عليه الٱية :

١ لما أمر الله الحاج بالتزود بزاد التقوى وقدمه على غيره ووصفه بأنه خير الزاد ناسب هنا أن يرفع عنه الحرج - خاصة وقد أتم الوقوف بعرفة - فيما لا بد له منه من رزق الدنيا ومنافعها بما لا يشغله عن زاده الأكبر .

٢ وفي المشعر يستشعر الحاج عظمة رب السماوات والأرض عن قرب وتحقق فليس ما بعد عرفة كما قبلها وليس من استشعر كمن لم يستشعر هنا تتجلى عظمة الخالق فتلهج الألسنة بذكر الله
فمن الأمور الملموسة أنه بلغ مبلغا لم يبلغه الكثير فقد هداه الله الى الإسلام وسهل له سبل الهداية وأداء هذه الشعيرة ،فيذكر الله ذكر شكر وفخر واعتزاز فلا ينسب ذلك المرتبة التي وصلها وذلك الموقف الذي وقفه بأنه ناتج من تخطيطه وعمله وماله فلولا توفيقه وتسهيله لما وصل الى ما وصل إليه ،بل ولا يخالجه المن بأنه قدم شيئا لله بل المن لله أن اختاره لطاعته ،
وهذا ما بينته الٱية بعدها لتبين أن الفضل لله لا لك فقد اختصك لطاعته وشرفك بمناجاته
فهو المستحق للتأليه والتعظيم فلا تعظموا بهذه المواقف العظيمة أنفسكم ولا رموزكم ولا أجدادكم .
قال تعالى :

( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199) البقرة

من أهم ما تشير إليه الٱية :

١ أن يستشعر الحاج عظمة ربه فيرى حقيقة نفسه فيحتقرها وحقيقة ربه فيعظمه فيقول بلسان الحال والمقال
إلهي لا أحصي ثناء عليك فكم عبدك العابدون من أهل السماوات والأرض فما عبدوك حق عبادتك وما أحصوا ثناء عليك بما قالوا وبماهم قائلون ولا يحصون إلى يوم يبعثون
فسبحانك إلهي بلساني الكليل وغفرا
وسبحنك إلهي بعقلي المضطرب وغفرا
وسبحانك إلهي بقلب الموسس وغفرا
فيا إلهي الرحيم ويارب الكريم

قابلت بين أسمائي وأسمائك فتلاشت وبين أو صافي وأوصافك فامتحت فليس رحيم كمثلك ولا ذميم كمثلي
وليس كريم كمثلك ولا بخيل كمثلي فسبحانك إلهي وغفرا

وفي هذه المواقف العظيمة التي تتجلى فيها عظمة الخالق تأتي الٱيات لتصور لنا هذ الموقف بأحسن تصوير كما في الٱية التالية ...

(( فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200))

وهكذا نجد
أن في الحج المبرور تتجلى فيه عظمة الخالق بأنصع صورها فلا يرى أحدا يستحق التعظيم والتبجيل سوى الملك الجليل فيذكره ذكرا كثيرا ويسبحه بكرة وأصيلا وتصغر الدنيا الحقيرة في نفسه
فيقدم ٱخرته على دنياه
وأما إن كان الحج غير مبرورا ولا مقبولا فمن الحجاج ممن لا حظ له بالحج المبرور من تبهره الدنيا فتحجبه عن ٱخرته فيسأل الله مزيدا من الدنيا وتلهيه عن حقيقة ربه

فلا يذكر إلا عظمة أجداده ويتباهي بها أمام الحجاج الأخرين
بعكس من كتب الله له حجا مبرورا فتظهر مؤشرات ذالك في دعائه كما في الٱية التالية فيقدم ٱخرته على دنياه

(( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202)) البقرة

وفي الٱيتين تنبيه للحاج ألا يطغى بعد خشيته وخشوعه وألا ينسى بعد ذكره .وتيقضه قال تعالى :. .....

(۞ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)) البقرة

وهكذا ختمت هذه الٱية ٱخر أعمال الحج المتمثلة بأيام التشريق الثلاثة وهي التالية ليوم العيد أي يوم الحادي عشر من ذي الحجة والثاني عشر والثالث عشر .

وكما بدأت أيات الحج من سورة البقرة باسم الله وحده وشرعت هذه العبادة العظيمة لله وحده وتعظيمه أنتهت بتعظيم الله وحده وذكره .

بهذه المناسبة ورغم اختلافها عن سابقاتها لا يسعنا إلا أن نرفع أكف الضراعة والابتهال سائلينا الله الرحيم المنان ذا العطاء وجزيل الإحسان أن يرفع عن الأمة الإسلامية هذه الغمة
ويرفع عنا وعنكم وعن أهل اليمن والمسلمين الوباء والبلاء والحروب والمحن ماظهر منها وما بطن وأعادكم الله عيدا بعد عيد وعاما بعد عام بخير وسلامة والطاف وإنعام إنه سميع مجيب .