مراوغة


الكاتب : د. ميسون حنا

قصة قصيرة 

 أول يوم عمل له تميز بنكهة خاصة، في السابق وهو تحت التدريب كان يعالج المرضى بإشراف الطبيب المقيم أو الإختصاصي، أما الآن فهو المسؤول أولا وأخيرا عن قراره تجاههم، شعر بالرضى، وابتسم بثقة أضفت عليه راحة وسكينة، باشر يومه ، كان كل شيء يمر بوتيرة هو يجهلها، ولكنها مألوفة لمن خبرها من زملاء ألفوا المهنة ومع ذلك تميز يومه بحدث فريد، حيث دلف العيادة المراجع الأخير، نظر إلى الدكتور مراد وقال: لا تستغرب، أنا لست مريضا، ولكني بحاجة إلى إجازة تغطي هذا اليوم. نظر إليه الطبيب بعجب بينما تابع، كان بإمكاني أن أتظاهر بالمرض، ولكنك ستكشف ادعائي، هذا علاوة.   عن أني لا أحب الكذب.

ـ ولكنك إذ تحصل على إجازة باطلة، هو الكذب بعينه.
ـ أجابه الشاب: أحيانا نلجأ للكذب لتبرير ما، أو قل لظرف ما.
ـ آسف، لا أستطيع أن أمنحك إجازة.
ـ قال له بجرأة وثقة: بل ستفعل.
ـ لا أحد يجبرني أن أوافق على عمل لا أقره.
ـ لو علمت ظرفي ستقره.
ـ سيان كان ظرفك، لا أريد أن أعرفه.
ـ سأخسر وظيفتي لو لم يُغط اليوم.
ـ هذا لا يعنيني.
ـ أنا أعيل أسرة، علاوة على أني …
أشاح الدكتور بوجهه عنه، وأغلق جهاز الكمبيوتر ليعلن انتهاء الدوام.
ـ أنا أحب الانضباط، مهما كان ظرفك، لن أتواطأ معك.
ـ أنا مضطر لهذه الإجازة، هي مسألة مصيرية، صدقني، تابع الشاب كمحاولة منه ليستميله إليه. أنا أعمل، ولكني إلى جانب ذلك أتعلم في الجامعة بدوام مسائي، هذا اليوم قُرر لنا امتحان، كان لا بد من حضوره صباحا، ومديري في العمل لم يتعاون معي، فاضطررت للغياب لئلا أحمل مادتي وأسجل عبئا على أنا في غنى عنه، والحل الوحيد هو الإجازة التي أطلبها منك.
اقتنع الدكتور مراد بمبررات الشاب، ولكنه لم يستطع أن يقنع نفسه بالمراوغة، أدرك أنه إذ يمنح الشاب إجازة سيخطو أولى خطواته نحو الإنزلاق وهو إذ يرفض تبريرات الشاب، ويغلف رفضه بألف قناع من المباديء والقوانين الرادعة، صم أذنيه ولم تستطع نظرات الشاب التي تحمل في طياتها لوما وحسرة، ورجاء، وخيبة في آن أن تجعل الدكتور مراد يلين.
قال له الدكتور أمجد: مشكلة الشاب بسيطة، قد تتعرض لمواقف محرجة تجعلك تراوغ، ولكن لتكن قناعتك سيدة الموقف، فقد تتنازل أحيانا من أجل دافع إنساني. أنا لو كنت مكانك منحت الشاب إجازة. تعجب الدكتور مراد كيف يوافق طبيب عريق بالمهنة أن يمنح إجازة باطلة، أدرك أن حتى في مهنة الطب المراوغة واردة، هز رأسه بعجب، ووميض قناعة تسلل إلى عقله وضميره أن عليه أن يراوغ أحيانا.