في ذكرى المسيرة الخضراء: حقائق وعبّر.. بقلم فواز احمد الخلايلة


يحتفل الشعب المغربي في 6 نوفمبر من كل عام بذكرى يوم المسيرة الخضراء التي أكدت سيادة المغرب على صحرائه ، ودحرت الإستعمار الذي هيمن على الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية منذ عام 1884 .
ونحن بهذه المناسبة  نستذكر مشاركة الأردن بيوم المسيرة الخضراء في 6/نوفمبر/1975 بوفد ضم 41 شخصية أردنية يرأسه السيد أحمد طوقان رئيس مجلس الأعيان أنذاك ، والرسالة الأخوية التي بعث بها المغفور له الملك الحسين بن طلال الى أخيه المرحوم الملك الحسن الثاني والتي أكد فيها على معاني الأخوة والمحبة بين الشعبين الأردني والمغربي وموقف الأردن الداعم لحقوق المغرب المشروعة والثابتة  في استرداد أقاليمه الجنوبية وإستكمال وحدة أراضيه.
فبعد جلاء الإستعمار الفرنسي عن أراضي المملكة المغربية في 18 نوفمبر 1956 إستمرت معركة التحرير ضد المستعمر الإسباني الذي يحتل جزء من  الأراضي الشمالية والمنطقة الجنوبية للمملكة.
وبفضل شراسة المقاومة المغربية تم استعادة الأقاليم الجنوبية تدريجيا ، إبتدأ من إقليم طرفاية عام 1958 ، وإقليم سيدي إيفني عام 1969 ، والصحراء المغربية عام 1975.
لقد أختار المغرب طريق المقاومة المسلحة والمفاوضات في آن واحد،  في صراعه مع المحتل الإسباني ، إلا ان خيارا ثالثا شكل حالة استثنائية ونموذجا فريدا في حركة تحرر الشعوب، ولحظة فارقة في تاريخ المغرب ، تمثل في الملحمة البطولية التي أطلق عليها الملك الراحل الحسن الثاني المسيرة الخضراء.
فالمغرب منذ خلاصه من الاستعمار الفرنسي لم يتوقف عن المطالبة بجلاء الإستعمار الإسباني عن أقاليمه الجنوبية ، واستطاع ان ينتزع القرار رقم (1514) تاريخ 14/ ديسمبر/ 1960 من الجمعية العامة للأمم المتحدة ، ومضمونه حث اسبانيا بإتخاذ التدابير اللازمة لتحرير منطقة الصحراء إقليمي إيفني ووادي الذهب من السيطرة الإستعمارية والدخول في مفاوضات بشأنهما.
وكذلك بطلب من المغرب وفي عام 1963 تم تسجيل منطقة الصحراء في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي للمطالبة بإنهاء الإستعمار فيهما.
وبخبث المحتل الذي استشعر قرب رحيله عن منطقة الصحراء نتيجة المقاومة المغربية الشرسة عسكريا وسياسيا ، بدءت اسبانيا تخطط لإجراء استفتاء في الصحراء المغربية بهدف تنصيب حكومة تبقى موالية لها بعد خروجها.
وفي الجانب الاخر وبحكنة وبصيرة سياسية عالية، يتقدم المغرب في سبتمبر 1974 بطلب فتوى استشارية من محكمة العدل الدولية حول الوضع القانوني والسيادي لمنطقة الصحراء،يقابل هذا الطلب برفض شديد من الحكومة الإسبانية. 
وبعد صدور قرار محكمة العدل الدولية في 16/ اكتوبر/ 1975  والذي تضمن التأكيد على وجود روابط تاريخية وعلاقات سياسية ودينية وروحية بين قبائل منطقة الصحراء وسلاطين المغرب، وإنطلاقا من هذه الإعترافات وقناعة المغرب بحقوقه التاريخية على صحرائه  يتوجه المرحوم الملك الحسن الثاني بخطابه الشهير الى الشعب المغربي يدعو فيه الى تحرير الأقاليم الجنوبية من الإحتلال الاسباني (علينا أن نقوم بمسيرة خضراء من شمال المغرب الى جنوبه)  ليبتدع بعبقرية القائد الواثق  بشعبه ملحمة بطولية سطرها الإنسان المغربي المؤمن بوطنه ووحدة اراضيه على الواقع ، حاولت الحكومة الإسبانية بكل قوتها منع المسيرة وطلبت عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن لمواجهة هذه المسيرة ، وحاولت الترويج ان هذه المسيرة ليست سلمية بل هي زحف مسلح ، وحركت قطاعات عسكرية بحرية كبيرة لإجبار المغرب على التراجع عنها ، إلا أن كل هذه المحاولات لم تثني الشعب المغربي عن استراد أراضيه.
 فمن كافة انحاء المغرب تجمع 350 الف مغربي وبمشاركة عربية ، لينطلقوا بإتجاه الصحراء المغربية  في 6/ نوفمبر/1975 على قلب رجل واحد يحملون القرأن الكريم وأعلام الوطن ويتجاوزا الحدود الموهومة التي صنعها  الإستعمار، الذي اجبر بعد نجاح المسيرة على توقيع إتفاقية مدريد في 14/نوفمبر /1975 ، مما مكن المغرب من استكمال وحدته الترابية في أقاليمه الجنوبية  وتصفية الأستعمار فيها.
 ومازال المغاربة يتطلعون لإستعادة  سبتة ومليلة المحتلتين من الإستعمار الإسباني  ويؤمنون انها ستعود يوما الى حضن الوطن لإستكمال وحدتهم الترابية في المناطق الشمالية .
وفي سياق ذكرى المسيرة الخضراء لابد من التأكيد على مجموعة من الحقائق الثابتة والعبر المستخلصة من النزاع المفتعل حول الصحراء من قبل خصوم الوحدة الترابية المغربية تتمثل في مايلي : 
 الحقيقة الأولى : إن الصحراء المغربية هي جزء أصيل من الهوية المغربية السياسية والثقافية والاجتماعية ، وبالتالي لن يستطيع احد ان يسرق او يجتزء هوية شعب ووطن ودولة ، فكافة الدول التي تعاقبت على حكم المغرب منذ القرن الحادي عشر لها اصول وامتدات صحراوية وجلها انطلقت من مناطق الصحراء .
الحقيقة الثانية: أنه لم يؤسس قط اي كيان او تنظيم سياسي او حركة مستقلة عن المغرب الى ان جاء الاستعمار الاسباني عام  1884 واحتل اقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب، ومزق الوحدة الترابية المغربية، فلا يوجد "شعب صحراوي" وإنما قبائل صحراوية مغربية تدين بالولاء السياسي والديني والروحي لسلاطين المغرب.
الحقيقة الثالثة: ان قضية الصحراء تندرج في إطار استكمال المغرب لوحدته الترابية وأن تصفية الاستعمار انتهت منذ رحيل الإستعمار الإسباني وعودة الصحراء الى حضن الوطن ووضع حد لتصفية الإستعمار في هذه المنطقة منذ عام 1975 
 الحقيقة الرابعة : بعد نجاح المسيرة الخضراء وإجبار اسبانيا على توقيع اتفاقية مدريد بين الحكومتين المغربية والإسبانية تم نقل السلطة وانتشر الجيش والشرطة المغربية في منطقة الصحراء واصبحت سيادة المغرب على صحرائه فعلية وشرعية ، ومنذ ذلك الحين ولغاية الأن لم تصدر أيه استشارة قانونية او راي عن منظمة الأمم المتحدة تصف الصحراء "بالمستعمرة" او تنعت المغرب بالبلد"المحتل" كما يدعي خصوم الوحدة الترابية المغربية.
 
ونحن نستذكر المسيرة الخضراء نؤكد انها ليست يوما او حدثا عابرا في عقل الدولة المغربية شعبا وقيادة وانما هي تاريخ وطن بأكمله دافع عنه الأجداد والأباء وحافظ عليه الأبناء لتستمر مسيرة البناء والتنمية التي  لم تتوقف من ذلك الحين الى يومنا هذا. 
فقد اختار الملك محمد السادس مسارا دبلوماسيا يقوم على الإنتقال من مرحلة التدبير الى التغيير وانتهاج دبلوماسيه أجرائيه للدفاع عن مصالح المغرب ووحدته الترابية بكل حزم وقوة واحترام للقانون الدولي.
وفي الجانب الإقتصادي وبفضل المتابعة الملكية الحثيثة ، فقد شهدت منطقة الصحراء المغربية ثورة تنموية شاملة غير مسبوقة ، طالت  العديد من المجالات الزراعية والصناعية وإنشاء الموانئ والمطارات وتطوير البنية التحتية بميزانية تصل الى حوالى 8 مليار دولار تقريبا انجز ما يفوق 50% من هذه المشاريع .
 إن المشاركة الحيوية والفاعلة التي عرفتها مناطق الصحراء المغربية بأعلى نسبة مشاركة بالإنتخابات الأخيرة التي جرت في 8/سبتمبر/2021  تترجم وتؤكد التعبير الفعلي عن إرتباط سكان منطقة الصحراء بوطنهم المغرب، حيث وصلت في مدينة العيون لما يزيد عن 80%. 
اليوم اصبحت الصحراء المغربية منارة حضارية وسياسية وإقتصادية يهتدى بها تتقاطر اليها الدول من أجل الإستثمار وفتح القنصليات فيها ، وستبقى نموذجا واقعيا على  التضحية والتصميم والفداء في وجدان كل حر شريف. نعم لقد استجاب القدر عندما قرر الشعب المغربي ان يصنع من الصحراء حياة.