تباين الشدة الزلزالية من موقع لآخر


الكاتب : محمد فندي
من خلال المشاهدات العينية في أعقاب أي زلزال يضرب أية منطقة، لوحظ تباين لا يستهان به في الأثر التدميري لأي زلزال من مكان إلى آخر. هذا الأمر دفع المهندسين المختصين بالزلازل لرسم خرائط كنتورية للمساحة السطحية المتأثرة بأي زلزال توضح تباين الشدة الزلزالية فيها طبقا للوصف العيني للأثر أو للدمار الناجم عن أي زلزال إضافة إلى التفاعل النفسي للإنسان مع الوسط المحيط به أثناء حدوث الزلزال. هذا الأمر أدى الى ظهور مقياس ميركالي في البداية وذلك حتى العام 1964 حينما جرى تطوير على هذا المقياس ليتناسب مع الظروف المختلفة للجيولوجيا السطحية والظروف المختلفة للمنشآت المقامة عليها واصبح منذ ذلك التاريخ يعرف MSK-64، حيث اعتمدته منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (UNESCO) في نفس العام.
 
اهتم اليابانيون والسوفييت (روسيا حاليا) مبكرا في القرن الماضي كثيرا في دراسة ظاهرة هذا التباين وذلك نظرا لتعرض مناطق القفقاز واقصى شرق روسيا لأنشطة زلزالية كثيفة بالمقارنة مع غيرها من المناطق. اليابانيون من جهتهم ركزوا على دراسة محتوى السجل الموجي لاهتزازات الجيولوجيا السطحية من حيث السعة الموجية والزمن الموجي وعلاقتهما بالشدة الزلزالية في أي موقع حيث تبين بما لا يدع مجلا للشك وجود علاقة مباشرة بين الشدة الزلزالية في مكان ما والخصائص الاهتزازية للجيولوجيا السطحية. في حين ركز الروس على الخصائص الفيزيائية لأي موقع وعمق المياه الجوفية وأثرهما على الشدة الزلزالية.
 
أول مرة يكتشف فيها أثر الجيولوجيا السطحية على حجم الدمار الناجم عن الزلازل، كانت في أعقاب زلزال كانتو في اليابان عام 1923. العقبة الرئيسية أمام الباحثين آنذاك كانت في ايجاد وسيلة قليلة الكلفة لتقييم هذا الأثر مسبقا. مع التقدم التقني المصحوب بالتقدم الكبير في المعارف والدروس المستفادة منذ منتصف القرن الماضي تمكن اليابانيون من استخدام الاهتزازات الطبيعية الدقيقة (microtremor) الناجمة عن مسببات اما طبيعية او مرتبطة بالأنشطة الانسانية للحصول على مدي استجابة أي موقع أو بمعنى آخر تقييم الشدة الزلزالية المتوقعة وذلك لأغراض هندسية. هذا الاستخدام كان مثيرا للجدل في أماكن أخرى من العالم وخصوصا في العالم الغربي. السبب في ذلك كان مع الشكوك المصاحبة لعدة دراسات في هذا المجال ألمحت إلى الصعوبات الفنية في التمييز بين الأثر الموجي لمصدر هذه الاهتزازات و الأثر المباشر لموقع القياس في السجل الموجي، إضافة إلى التباين ما بين تسجيل الاهتزازات الطبيعية الدقيقة وتسجيل الزلازل.
 
الاهتمام بالاهتزازات الطبيعية الدقيقة في العالم الغربي تجدد مع ورود العديد من المعلومات عن المشاهدات العينية التي أوضحت التباين في الشدة الزلزالية من موقع لآخر في أعقاب العديد من الزلازل المدمرة التي حدثت وخصوصا زلزال المكسيك في عام 1985. حيث بدا جليا أن المعلومات التي قدمتها السجلات السهلة والأقل كلفة للاهتزازات الطبيعية الدقيقة كانت إلى حد بعيد متطابقة مع ما تم الحصول عليه من أجهزة رصد الحركة القوية (accelerometers). الفارق كان في أن سجلات الحركة القوية تفترض حدوث الزلزال لتعطي بيانات عن الخصائص الحركية لموقع الجهاز نفسه في حين تقدم الاهتزازات الطبيعية الدقيقة هذه المعلومات عن الخصائص الحركية اعتمادا على القياس المباشر قبل حدوث الزلزال بوقت طويل (Bard, 1999).
 
على ضوء الدروس المستفادة من الزلازل التي حدثت تكشف لدينا في الوقت الراهن أن هناك العديد من العوامل المختلفة التي تحكم التباين في الشدة الزلزالية أو التضخيم الموجي الزلزالي من عدمه أهمها كثافة الجيولوجيا السطحية والتباين في المقاومة الزلزالية (seismic impedance) بين الطبقة الجيولوجية السطحية والطبقة الجيولوجية المتوضعة أسفلها.
 
احدى أهم العوامل التي تحكم التباين في الشدة الزلزالية من مكان الى آخر اضافة الى ما ورد سابقا، هو العلاقة الهندسية بين المصدر الموجي الزلزالي وأي موقع على سطح الأرض, حيث لوحظ أنه كلما كانت زاوية سقوط الشعاع الموجي الزلزالي على الحد الفاصل بين الطبقة الجيولوجية السطحية والطبقة الأخرى المتوضعة أسفلها كبيرة كلما أدى ذلك الى انعكاس متكرر للشعاع الموجي الزلزالي داخل الطبقة السطحية بما يترتب عليه تضخيم موجي زلزالي أكبر وبالتالي شدة تدميرية زلزالية أكبر. بينما يكون الوسط الجيولوجي السطحي مخمدا للأمواج الزلزالية في حال كانت زاوية سقوط الشعاع الموجي الزلزالي قليلة أو تعادل صفرا، لأنه في هذه الحالة تزداد قدرة الشعاع الموجي على النفاذ والمرور خلال الوسط الجيولوجي دون أن يحدث له انعكاس متكرر داخل الوسط الجيولوجي السطحي. بناء على ما سبق تتغير الصورة بالكامل في حال تغير عمق الزلزال، وعليه يكون للطبوغرافيا السطحية والعلاقة الهندسية بين أي موقع على السطح وعمق المصدر الزلزالي اهمية خاصة في زيادة الشدة التدميرية الزلزالية من عدمها وبما يترتب عليه تغيير كامل في خرائط الشدة الزلزالية التي اسست على ضوء أعماق ثابتة للمصادر الزلزالية. لذا ينبغي أن تستوعب خرائط الشدة الزلزالية تباين أعماق الزلازل لتصبح أكثر مرونة ومصداقية.
 
عموما وعلى ضوء الدروس المستفادة من الزلازل السابقة اضافة الى المجهودات العلمية في هذا المجال، يمكن القول ان التباين في الشدة الزلزالية من مكان الى آخر تحكمه العوامل التالية: قوة الزلزال، البعد البؤري بين الموقع على السطح وبؤرة الزلزال، عمق الزلزال، العلاقة الهندسية بين المصدر الزلزالي وأي موقع على سطح الأرض أو ما يطلق عليه أثر اتجاه المصدر الموجي الزلزالي والموقع على السطح (directivity effect)، سماكة الطبقة الجيولوجية السطحية، كثافة الطبقة الجيولوجية السطحية، تجانس مكونات الطبقة الجيولوجية السطحية، نوع الطبقة الجيولوجية السطحية، عمق المياه الجوفية، التباين في المقاومة الزلزالية بين الطبقة الجيولوجية السطحية والطبقة الجيولوجية المتوضعة أسفلها، زاوية سقوط الشعاع الموجي الزلزالي على الحد الفاصل بين الطبقة الجيولوجية السطحية والطبقة الجيولوجية المتوضعة أسفلها، النسبة بين طول موجة الشعاع الموجي الزلزالي وسماكة الطبقة السطحية وكذلك درجة تشبع الجيولوجيا السطحية بالمياه الجوفية.
 
الدراسات التاريخية اشارت إلى أن زلزال وادي البقاع في لبنان اللذي كان بقوة 6.6 حسب مقياس ريختر عام 1759 أحدث دمارا واسعا في أجزاء مدينة طبريا المقامة فوق رواسب غرينية الأقل كثافة والصلابة والأكثر تشبعا بالمياه الجوفية على الأغلب بالمقارنة مع المنشآت المقامة فوق اوساط جيولوجية أكثر كثافة وأكثر صلابة في المدينة ومحيطها.
 
ينبغي الإشارة الى أن  العرب مارسوا تطبيقات هندسية زلزالية في مجال البناء المقاوم لأفعال الزلازل، يستدل على ذلك من خلال التنقيبات الأثرية والمشاهد التي ما زالت موجودة حتى وقتنا الراهن في كل من الأردن وفلسطين منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. حيث لوحظ وجود نوافذ عريضة بعمق 90 سم في سور قصر هشام في أريحا وكانت على الأغلب تستخدم لحصر الدمار في مواضع معينة من جسم السور بحيث لا ينهار السور بأكمله في حالة وقوع أي زلزال. كذلك كان هناك تطبيقات هندسية زلزالية أخرى للعرب بغرض تحصين منشآتهم لمقاومة أفعال الزلازل على جانبي وادي عربة، مثل نحت مدينة كاملة ورائعة هندسيا في الصخر الرملي في ألبتراء, بناء المعبد النبطي على جبل رم ما بين 31 - 36 ميلادي, إضافة إلى تل الخليفة بالقرب من أم ألرشراش في فلسطين، وجود جدران استنادية على أسوار قلعة الأزرق لمنعه من السقوط في أعقاب أي زلزال. صمود القصر الأموي في جبل قلعة عمان لما يزيد على الف وثلاثمائة عام، اذ تبين أن هذا القصر يمتاز بمعامل اخماد هندسي آمن بما يثير الدهشة خاصة وأن هذا المنشأ مقام على قمة تلة تمتاز في العادة بمعامل تضخيم موجي زلزالي كبير.