التعليم من مسؤوليات الدولة الأردنية

mainThumb

23-08-2008 12:00 AM

د. محمد تركي بني سلامة

منذ نشأة الدولة الأردنية قبل ما يزيد عن ثمانية عقود كان التعليم وما يزال عماد الدولة الأردنية وثروتها التي لا تنضب، فقد أدركت القيادة السياسية الهاشمية الحكيمة أنه في ظل محدودية الإمكانات وشح الموارد فإن رأس المال البشري Human Capital أو القدرة البشرية التي تعني تنمية قدرات الإنسان/المجتمع يمكن أن تعوض النقص في الموارد الأخرى.

وهكذا أصبح التعليم السلعة الأساسية التي برع الأردنيين في إنتاجها وتسويقها على مستوى المنطقة، وبفضل هذه السياسة الراشدة حقق الأردن المرتبة الأولى على مستوى الإقليم في مجال التعليم باعتراف كافة المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية في هذا الشأن.

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن المغفور له جلالة الملك الحسين رحمه الله كان قد اتخذ قراراً شجاعاً في الستينات من القرن الماضي يقضي بإنشاء مدرسة في كل تجمع سكاني فيه عشرة أطفال أو ما يزيد، فالتعليم كان ولم يزل وسيلة التمكين الأولى للمواطنين ذكوراً وإناثاً أغنياء أو فقراء سكان بادية أو ريف مدن أو مخيمات، زينة للأغنياء وسترة للفقراء.

وانطلاقاً من هذه الرؤية الحكيمة استمرت المسيرة المباركة وتحقق المزيد من التقدم والإنجاز بإنشاء الجامعات الرسمية باعتبار التعليم وظيفة أساسية من وظائف الدولة تقدمه للمواطنين كسلعة مدعومة من أجل تمكينهم وتأهيلهم للمشاركة في مسيرة التنمية والبناء والتحديث ذلك أن دور الدولة في التنمية الإنسانية الشاملة هو دور أساسي أو مركزي ولذلك تم تقريباً إنشاء جامعة في كل محافظة أردنية.

وفي عهد جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين حفظه الله فقد أولى جلالته التعليم جُل عنايته ودعا إلى تبني إستراتيجية وطنية واضحة المعالم عميقة الرؤيا تحقق أهداف الأردن الوطنية وكان من ثمار هذه الإستراتيجية التوسع في عدد الجامعات الرسمية التي كان آخرها إنشاء الجامعة الإسلامية العالمية المعنية بتخريج عدد من الشباب المسلم المسلح بالعلم والإيمان القادر على الدفاع عن مبادئ الدين والعقيدة وتمثيل رسالة الإسلام السمحة التي قوامها الحوار والتسامح وقبول الآخر المختلف ورفض الغلو والعنف والتطرف والتكفير وغيرها من الممارسات والأفكار التي أضرت بصورة الإسلام، ولا سيما بعد أحداث 11/9/2001م وتداعياتها على العالم الإسلامي.

وكذلك تم فتح المجال أمام الاستثمار في التعليم بإنشاء الجامعات الخاصة التي تستقبل طلبة العلم سواء من الأردن أو الخارج الأمر الذي يسهم في منع هجرة الطلبة الأردنيين إلى الخارج في ضوء عدم قبولهم في الجامعات الحكومية وما يترتب على ذلك من معاناة لهم وخسارة للاقتصاد الأردني. أما بخصوص الطلبة الوافدين للأردن عرباً وأجانب فإن الدخل المتأتي من دراستهم في الأردن سواء في الجامعات الحكومية أو الخاصة فإنه يمثل فقط أحد الجوانب الإيجابية في هذه العملية حيث أن هناك أهدافا أخرى غير اقتصادية تتحقق من استضافة مثل هؤلاء الطلبة في الأردن لا يتسع المجال لذكرها الآن.

وفي نهاية المقام يمكن القول أن جلالة الملك عبد الله الثاني في رسالته الأخيرة إلى الأسرة التربوية في الأردن قد أكد على أن التعليم مسؤولية الدولة الأردنية. وفي هذا التأكيد فإن هناك الكثير الكثير من الأبعاد والقيم والمضامين والعبر والأفكار التي يمكن التوقف عندها لاحقاً وخصوصاً فيما يتعلق بالتقدم والإبداع والتجديد فالهدف من التعليم هو توسيع فرص ونطاق الاختيار تأسيساً على حق في المعرفة وفي التعليم لأهداف سامية ونبيلة مثل حرية ورفاه الإنسان وسيطرته على بيئته ومقدراته ببناء حاضره ومستقبله ذلك من واقع الشعور بالمسؤولية الإيجابية الحرة أو مسؤولية الانتماء الاجتماعي. وهذا لا يتحقق دون رؤية أو أفق إنساني أو في ظل مناخ استبدادي. وللحديث بقية.