حول التراكم المؤسسي

mainThumb

18-11-2007 12:00 AM

يُضرب المثل في العدل عادة بعمر بن الخطاب، فصورته دائماً على أنه العدل مجسداً، حيث تُعتبر سنواته العشر في الخلافة قمة العدل في تاريخنا. وعندما يأتي الحديث عن النزاهة والمساواة، ووضع مصلحة الجماعة فوق كل اعتبار، وما يتعلق بكل ذلك من قيم وسلوكيات، دائماً ما يُضرب المثل بعلي بن أبي طالب أو عمر بن عبد العزيز، أو بهما معاً. وعندما يكون الحديث عن دور العقل في تاريخنا، أو عن قيمة الحرية في ثقافتنا، غالباً ما يُضرب المثل بأيام الخليفة المأمون خاصة. ولو جمعنا السنوات التي ساد فيها شيء من العدل والمساواة، وشيء من العقل، وبعض من الحرية في تاريخنا، لوجدنا أنها لا تتجاوز العقدين أو الثلاثة عقود في تاريخ يمتد لما يُقارب الخمسة عشر قرناً من الزمان، والسؤال هنا لماذا كان ذلك؟ لماذا لم يمتد عدل عمر لما بعد عمر، ولماذا لم يمتد عهد علي وعمر عبد العزيز والمأمون لما هو بعدهم من عهود؟
مثل هذه الظاهرة لا تقتصر على تاريخنا القديم، فهي ظاهرة ملحوظة حتى في تاريخنا الحديث والمعاصر. يأتي حاكم فيأمر وينهى، ويحكم عدداً من السنين، يفعل فيها ما يفعل، سواء كان ذلك سلباً أو إيجاباً، ثم لا يلبث أن يأتيه هادم اللذات، ومفرق الجماعات، فيكون كأنه نسياً منسياً، أو أطلالاً لا هوية لها في أحسن الأحوال، لا أثراً ترك، ولا اسماً نقش، ويبدأ خليفته من الصفر، كما بدأ هو ذاته من الصفر، بحيث أصبح الصفر الذي ابتكره الأجداد منا وكأنه لعنة علينا لا انفكاك منها، أو عبء شديد الوطأة، ثقيل الأوزان.

ولو كان الأمر مقتصراً على التقلبات السياسية العنيفة في تاريخنا، القديم منه والمعاصر، وما أكثرها، لكان الأمر مفهوماً، فالانقلاب والتقلب مخلوقان من طينة واحدة، وبالتالي فإن البدء من الصفر أمر مفهوم في مثل هذه الحالة، ولكن المشكلة هي أن جل أمورنا ـ ولا أقول كلها ـ تسير على ذات المنحى، حتى عندما يكون السلف والخلف ينتميان إلى منظومة واحدة، أو ضمن نخبة سياسية واحدة، ولنا في تاريخ بني أمية وبني العباس ومن بعدهم خير مثال.

ويُعاد السؤال هنا كرة أخرى فنقول: لماذا؟

إجابة هذا السؤال تتلخص في جملة واحدة ألا وهي الفرق بين الشخصانية والمؤسساتية. فالتاريخ العربي بشكل عام هو تاريخ مشخصن، بمعنى تاريخ يتحكم به الأشخاص والأفراد قبل أي عامل آخر. لا نريد أن ندخل في جدل فلسفي هنا حول من هو المؤثر الرئيس في التاريخ، أهو الفرد أم الظرف، بقدر ما أنه يمكن القول بأن الظرف كان مؤثراً في الشخصية العربية، إذا نُظر للمسألة من زاوية التحليل طويل المدى، ولكن الشخصية العربية كانت محورة للظرف في ذات الوقت، حين يكون التحليل قصير المدى، في علاقة تفاعلية قد يتفوق فيها الظرف على الشخص أحياناً، في الأحقاب الطويلة، وقد يتفوق فيها الشخص على الظرف، في الفترات القصيرة، أحياناً أخرى، وذلك حسب ما تمليه الأحداث وجريانها. في الحالة العربية، سابقاً ولاحقاً، يمكن القول ان الفرد هو المؤثر الأكبر في التاريخ العربي، حين يُنظر إليه على شكل فترات متتابعة، بحيث تحول هذا التاريخ إلى تاريخ أشخاص وأفراد، يحدد فيه الأشخاص الأحداث والمصائر، وهنا تكمن مشكلة هذا التاريخ من حيث أنه يُصبح تاريخا ساكنا، لا روح فيه ولا تغير ملحوظا، كما في تاريخ أمم أخرى تجاوزت الشخصانية، وقفزت فوق أسوار الفردانية.

فحين تهيمن الشخصانية على تاريخ مجتمع ما، تصبح الاستمرارية فيه صعبة إن لم نقل مستحيلة، فالاستمرارية لا تكون إلا حين تسود المؤسسات، وتتجسد الأفكار والإجراءات والإنجازات المتراكمة، في مؤسسات قادرة على الرسوخ والاستمرار. العدل العمري مثلاً انتهى برحيل صاحبه الفاروق، لأنه لم يتحول إلى مؤسسات قابلة للحياة بعد رحيل الحياة عن الشخص الذي رعاه، ولذلك كان من السهل على القادمين الجدد إلى سدة السلطة أن يقلبوا الأمور رأساً على عقب بمجرد رحيل صاحب الفكرة أو المبدأ أو القضية أو الانجاز. في ذات الوقت، نلاحظ أنه في المجتمعات التي تحكم فيها المؤسسة، من المستحيل على الفرد، مهما كان قوياً ومؤثراً وصاحب نفوذ، أن يُعيد كل شيء إلى نقطة صفر معينة، طالما كانت المؤسسة هي التي تحكم وليس الفرد.

ففي أميركا أو بريطانيا أو فرنسا مثلاً، وغيرها من كيانات تُحكم بالمؤسسات، لا يستطيع رئيس الجمهورية، حتى إن كان كاريزمياً مثل لينكولن أو روزفلت أو كيندي أو ديغول أو ثاتشر، أن يُسير الأمور تسييراً كاملاً، أو يقلب كل ما جاء به السلف وفق نظرته الخاصة، طالما كانت المؤسسة هي المرجعية. ولذلك نجد أنه لو قارنا مثلاً بين رئيس أميركي يعيش في القرن الحادي والعشرين، وآخر من القرن التاسع عشر، فإنه لا كبير فرق في جوهر الأمور، اللهم إلا في تفصيلات دقيقة تراكمت وأصبحت مؤسسات بذاتها، أما الخطوط العامة فهي مشتركة بين الجميع، حيث تحولت هذه الخطوط إلى مؤسسات مادية ملموسة، تضمن الاستمرارية، وتراكم الخبرة والتجربة، وهو عكس ما نجده في معظم فترات التاريخ العربي، القديم منه والمعاصر.

فقدان المأسسة، والتراكم المؤسسي التاريخي في مجتمع من المجتمعات، نتيجة هيمنة الشخصانية، له من النتائج السلبية الشيء الكثير، لعل من أهمها هيمنة المؤسسات التقليدية، من قبيلة وطائفة وعائلة، وتحول العادات والتقاليد والأعراف، بسلبها وإيجابها، إلى مؤسسات بديلة، وأعتقد أنه هنا تكمن مأساة عرب اليوم. فالمجتمعات لا تقبل الفراغ، وعندما لا يكون هناك مؤسسات حديثة أو مستحدثة، فإن البديل ليس الفراغ، بل هو هيمنة المؤسسات التقليدية. وعندما يُضيق الخناق على نشوء مجتمع مدني متحرك ومتجدد، فإن النتيجة هي نشوء «مجتمع مدني» بديل، إن صح التعبير، قائم على أساس مؤسسات تقليدية، ومن هنا يُصبح المجتمع في حالة من الجمود وعدم القابلية للحراك. والأهم في ذلك كله، هو أن غياب المؤسسات المتجددة في المجتمع يؤدي إلى نوع من تشظي هذا المجتمع، حيث تضيق الولاءات، وتكون مستندة إلى مؤسسات تقليدية، مما يؤدي في النهاية إلى تصدع في الولاء الرئيس والأساس، ونقصد بذلك الولاء للوطن، وهنا تكمن جذور الصراع في الكيانات السياسية التي تفتقر إلى البناء المؤسسي المتجدد والراسخ، والتي يمكن أن يُصنف عالم العرب ضمنها، على اختلاف في الدرجة بين هذا البلد وذاك، ولكن في النهاية، كلنا في الهم عرب.