اسرار النهر البارد

mainThumb

25-08-2007 12:00 AM

الحرب التي أعلنها الجيش اللبناني ، في العشرين من أيار الماضي ، ضد مجموعة "فتح الإسلام" والتي صنفها ضمن الحركات الإرهابية ، لم تنته بعد. مواجهات شبه يومية في مخيم "نهر البارد" الفلسطيني شمال لبنان دخلت شهرها الرابع. الجهات المتقاتلة لا تعرف متى تحين نهاية هذه المواجهة ، مع أن السلطات العسكرية اللبنانية تؤكد ، ومنذ أسابيع ، بأن المعركة "وصلت إلى المراحل الأخيرة وفي مناطق ضيقة ومحاصرة من المخيم".
التحركات العسكرية للجيش تثير تساؤلات عديدة ، مثلما تفعل التحركات غير الفعالة للدبلوماسية اللبنانية. الطريقة التي تمضي بها الأحداث وتتساقط بها الضحايا تؤكد أهمية تسليط الضوء على بعض خفايا وأسرار هذه الحرب.
الجيش استُدرج إلى الحرب ، بحسب الأوساط الرسمية ، التي نسبت نشوب الحرب إلى قيام عناصر من تنظيم "فتح الإسلام" باختطاف وقتل سبعة وعشرين جنديا لبنانيا ، على مشارف المخيم ، صباح اليوم الذي اندلعت فيه الحرب. "فتح الإسلام" بررت العملية بأنها جاءت ردا على تضييق الخناق الذي تمارسه السلطات البنانية على عناصر من التنظيم داخل المخيم ، وبشكل خاص في طرابلس شمال لبنان.
القوات الخاصة اللبنانية كانت في مقدمة القوات المشتبكة في المواجهات التي كلفت القوات اللبنانية حتى الآن 140 قتيلا ونحو 800 جريح ، إصابات أغلبهم خطيرة. المخيم صُنّف منطقة عسكرية معزولة منعت من دخولها وسائل الإعلام ، ما أبقى عدد الضحايا من التنظيم في داخل المخيم غير معروف بشكل دقيق حتى الساعة. الجيش اللبناني يتحدث عن "منطقة ضيقة" تدور فيها المواجهات ويحتجز فيها أهالي المقاتلين من التنظيم على أساس اعتبارهم "رهائن" ، تبعا للسلطات اللبنانية.
آلاف العائلات جرى إخلاؤهم من المناطق الساخنة والتي تشهد مواجهات عنيفة منذ اليوم الاول من هذه الحرب ، ولم يعد بمقدورهم العودة إلى منازلهم التي تركتها الحرب ركاما ودمارا تنتشر فيها رائحة الدم والرصاص. المخيم يتميز بكونه أحد أكثر مناطق لبنان اكتظاظا بالسكان وهو مكان يقل ويتلاشي فيه النفوذ للسلطات اللبنانية ، في ظل سيطرة شخصيات وأسماء فلسطينية سكنت المخيم منذ عام 1960. لهذا السبب لم يكن بالإمكان إعطاء تخمين أولي لعدد السكان فيه.
المخيم لا ينقصه السلاح ولا العتاد. فالتنظيم كان جزءا من حركة وتنظيم أوسع وأكبر ذي علاقات وطيدة بسوريا يحمل اسم "فتح الانتفاضة". لكنه انفصل عنه لوجود اختلاف بين القادة نهاية العام 2006. واستفاد التنظيم بقوة من الفكر والتحرك الذي قادته "فتح الانتفاضة" واستفاد أيضا من كمية السلاح والذخائر التي صودرت بعد الانفصال.
من غير المنطقي أن تقلل السلطات اللبنانية من خطورة الموقف والتهديد الذي تمثله هذه المواجهة. خاصة وأن الحرب لم تكن مجرد انتقام لمقتل الجنود اللبنانيين ، بقدر ما كانت ، ولا تزال ، تستهدف التحرك غير القانوني للسلاح والمقاتلين من وإلى المخيم. لكن احتدام المواجهة يدعونا إلى التساؤل: هل سيبقى السلاح لغة هذه الحرب؟ وهل ستبقى الجهات السياسية تتفرج على التحركات العسكرية دون القيام بدور الوساطة أو التفاوض؟ غياب واضح للدبلوماسية اللبنانية في الأزمة المتفاقمة.
يسجل لهذه الحرب ، من بين حروب أخرى شهدتها لبنان ، فضيلة مهمة وهي أنها وحدت صفوف الجيش اللبناني بشكل غير مسبوق ، خاصة ضباط الصف الأول فيه. هذا الجيش صار رمزا للنخب السياسية في البلد والتي تعاني من انقسام وتوتر أثر على الشارع اللبناني.
غياب الحلول السياسة رافقه تمسك حكومي أثار دهشة الأوساط كافة. تمسك بمنع المساعدات عن المخيم وتضييق فرص وصول الدعم الطبي إلى الأهالي والجرحى داخل المخيم. كل المطالبات التي أطلقتها المنظمات الإنسانية الدولية لتسهيل تحرك المساعدات ذهبت أدراج الرياح ، وبقيت الحقيقة داخل أسوار المخيم تصلنا كما تريدها السلطات اللبنانية.