أنقذونا من هؤلاء الواعظات! .

mainThumb

11-02-2008 12:00 AM

منذ اشتعال جذوة الصحوة وبداية تمظهر فعالياتها في المجتمع النسائي في بلادنا الغالية، انتشرت ظاهرة مقلقة وجديدة على مجتمعنا، وتتجسد في انتشار الوعظ الذي تمارسه واعظات يأتين من خلفية ثقافية هشة تشكل الكاسيتات والمطويات والكتيبات الصفراء الدعامة الرئيسية فيها، أو عندما يلمسن في أنفسهن قدرة على الخطابة أو تمكنا من التأثير على المتلقيات.
بل إن هناك اتجاها يدعو كل امرأة لأن تكون واعظة أو "داعية" وهذا الاتجاه عادة يدّعم بالحديث الشريف القائل "بلغوا عني ولو آية" دون تفكيك لحقيقة معناه أو الالتفات إلى السياق الذي ورد فيه. فهذا الخطاب يطلب من جميع النساء أن يصبحن واعظات دون اعتبار لخطورة ودقة هذه المهمة التي من الممكن أن تؤدي إلى تكوين أفراد غير متوازنين نفسيا، يعانون من القلق والاكتئاب والوساوس القهرية والأمراض النفسية المختلفة.

وجلّ هذه الندوات - التي تقام في مجالس العزاء وحتى في حفلات الأعراس أحيانا لا تراعي الأبعاد النفسية للوعظ ولا تحسن استخدام عنصري الترغيب والترهيب حيث يتحول فيه الترهيب إلى "سادية" عالية جدا يتم فيها مصادرة الفرح ووأد مشاعره، بتركيزه على الترهيب من الموت ومن عذاب القبر وعذاب النار. وأذكر أنني حضرت إحدى هذه الندوات وكانت الواعظة تتحدث عن العذاب الذي يعانيه المحتضر عند خروج الروح من الجسد، ورأيت كيف ترتسم ملامح الرعب على ملامح المتلقيات اللواتي تتهدج أنفاسهن وتدمع أعينهن وترتفع صدورهن وتنخفض في لهاث سريع يتوافق مع صوت الواعظة الذي يرتفع وينخفض حسب شدة الموقف ورهبته.

المشكلة في معظم هذه الندوات أنها ترسخ لكراهية الدنيا وتخلط ما بين حب الحياة - والذي يعتبر إحدى الوسائل التي يقاوم بها الإنسان أزمات الحياة ومصائبها - وبين العب من الشهوات والانكباب عليها، كما أنها تحض على ثقافة الموت وتكثر فيها الأقاصيص الملفقة والمختلقة والحكايا المهّولة، وتخرج الحاضرات وقد اسودت الدنيا في أعينهن..

يلازمهن شعور مر وممض من الإحساس بالتقصير يدفعهن إلى اليأس من العمل وإلى تحقير شأن الممارسات الدنيوية الحيوية في حياتهن، وإلى الخوف الهستيري من الوقوع في الذنوب الصغيرة. مع خلق صراع نفسي في نفس المتلقية، لأن هذه الجلسات الوعظية تتعارض مع الطبيعة البشرية، لأنها تحاول أن تلغي الرغبة الموجودة عند كل إنسان في الترفيه واللهو البريء و الاهتمام بشؤون الدنيا، وتمعن في تهميش الحياة الدنيا وكأنها ليست الطريق الذي يؤدي إلى الآخرة.

ولا تحاول تسليط الضوء على القيم الإسلامية التي تحفز الإنسان على العمل البنّاء الذي يدعو إلى عمارة الأرض والسعي في تحصيل العلم وربط العلم بالعمل، وإلى إتقان العمل وربط ذلك بحب الله سبحانه. كما أنها تسطح هذا الدين العظيم وتصبه فقط في خانة واحدة تشكل الشكلانية محورها الرئيس،

فتركز على الممارسات الشعائرية وعلى تفصيلات اللباس والمظهر دون النفاذ إلى جوهر العبادات ومعناها، أو تقوى القلوب ونقاء السريرة! وبذلك يتجرد ديننا العظيم من أهم الركائز الجوهرية التي يقوم عليها، فهو دين الحياة وعمارة الأرض والذي يجعل حياة الإنسان كلها عبادة ويؤكد أن جميع ممارسته الدنيوية تدخل في خانة العبادات.