عمر الشريف وأنور السادات

mainThumb

31-12-2007 12:00 AM

أشرت في نهاية مقال سابق إلى حديث أجراه الأستاذ محمود موسى مع الفنان الشهير عمر الشريف ونشرته صحيفة الأهرام المصرية يوم 12 ديسمبر الماضي كشف فيه عن تكليف الرئيس السادات له بالاتصال بمناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق قبل القيام بزيارته الشهيرة للقدس عام ,1977

ولأن الحيز المتاح في مقالي المشار إليه ، والذي كان مخصصا في واقع الأمر لمعالجة موضوع آخر ، لم يكن يسمح بالاستطراد كثيرا في التحليل ، فقد اكتفيت بوصف هذه التصريحات بأنها مجرد كلام مرسل لا دليل عليه وبأنها تسيء إلى الرئيس السادات بقدر ما تسيء إلى الفنان عمر الشريف نفسه ، واختتمت تعليقي عليها قائلا: "ليس من المقبول التعامل مع قضايا على هذا القدر من الخطورة بمثل هذه الخفة ، وسواء كان ما قيل مجرد خيال محض أو حدث فعلا فإنه يكشف عن أمور قد تستحق أن نناقشها في مقال آخر إذا ما سنحت الفرصة".

قد يرى البعض أن تصريحات عمر الشريف هذه لا تستحق الاهتمام ، وأن هناك موضوعات أخرى ربما تكون أولى بالرعاية ، إلا أنني أستأذن القارئ ، رغم ذلك ، في العودة إليها لشرح ما قصدت خصوصا وأن البعض كان قد طلب مني ذلك في حينه.

ولقطع الطريق على أي نوع من اللبس أو سوء الظن ، أبدأ باستعادة نص الفقرة التي لفتت نظري في حديث عمر الشريف ، والتي قال فيها: "الرئيس السادات كلمني وقال لي أنت تتعامل في الأفلام مع اليهود وتعرفهم..كلم مناحم بيجين بالتليفون..رئيس وزراء إسرائيل في السبعينات..وأسأله لو جاء السادات عندكم كيف سيكون استقبالكم له. فذهبت إلى سفارة إسرائيل في باريس وقلت للسفير اطلب لي بيجين ، فقال لي ازاي تكلمه. قلت له عندي رسالة له من الرئيس السادات.. المهم كلمت بيجين وقلت له الرئيس السادات بيسأل لو جاء عندكم من أجل مفاوضات السلام كيف سيكون استقبالكم له. قال بيجين سوف نستقبل السادات كالأنبياء.. ثم يكمل: السادات هو الذي رجعني الى مصر ، كنت قابلته في البيت الأبيض واستقبلني بشكل جميل وقال لي انت ابننا ولازم ترجع بلدك ووطنك ، وعزمني على فرح ابنته وقال لي بطريقة ابن البلد لو لم تأت "هاخاصمك"،

لماذا ينطوي ما جاء في هذا الحديث على إساءة للرئيس السادات ، من حيث لا يدري عمر الشريف. لأسباب عديدة:

أولها: أنه يظهر السادات بمظهر رجل ساذج لا يدرك أبعاد وخطورة تصرفاته ، وهو أمر يصعب تصديقه. فكيف يمكن لعاقل أن يتصور أن رئيس أكبر دولة عربية كان يخشى من احتمال إساءة استقباله ، إذا ما قرر زيارة إسرائيل طلبا لصلح تقول إنها تتوق إليه ، ويلجأ إلى طرف ثالث لجس نبض بيجين وكأن هذا الأخير هو الذي يقدم للسادات خدمة جليلة بالموافقة على استقباله في إسرائيل،.

فهل كان السادات يتوقع مثلا أن يعتذر بيجين أو يعبر عن عدم ترحيبه بالزيارة. وإذا افترضنا جدلا أن عمر الشريف كان قد لمس من بيجين فتورا أو عدم ترحيب بالزيارة ، فهل كان السادات سيغير رأيه ويعدل عن مبادرته ، أم كان سيلح على عمر الشريف لاستخدام جاذبيته "الهوليوودية" لإقناع بيجين باستقباله؟،.

وثانيها: أنه يظهر السادات بمظهر المرتبك إلى حد الإقدام عن كشف أهم أوراقه دون أن يدري ، وهو أمر يستحيل تصديقه أيضا خصوصا وأن السادات كان يدرك أن المبادرة التي أقدم عليها لا تحدث تأثيرها إلا إذا كانت مفاجأة كالصاعقة.

فكيف والحال كذلك تصور أن يقدم السادات على كشف أوراقه لعمر الشريف ويخفيها عن أقرب معاونيه ، ومنهم وزير خارجيته اسماعيل فهمي الذي قدم استقالته احتجاجا لأنه لم يعلم بزيارة القدس إلا من وسائل الإعلام،.

وثالثها: لأن ما قاله عمر الشريف يتناقض كليا مع ما هو معلوم بالضرورة. فمن الثابت الآن ، على سبيل المثال وليس الحصر ، أن السادات كان قد أوفد "حسن التهامي" في مهمة سرية إلى المغرب لمقابلة موشى ديان قبل أن يقرر اتخاذ مبادرته بزيارة القدس.

ولو كان السادات يرغب في كشف نواياه لاستخدم الزيارة ورقة مساومة يتوج بها مفاوضاته السرية مع ديان ، وليس على هذا النحو الفج الذي أوحى به عمر الشريف.

أما لماذا ينطوي ما قاله عمر الشريف على افساءة لنفسه قبل الإساءة للآخرين ، فلسببين: الأول: أن الرئيس السادات لم يحدد لعمر الشريف ، بافتراض أنه طلب منه الاتصال ببيجين ، وسيلة هذا الاتصال.

ويفهم من سياق الحديث أن السادات كان يرغب في استثمار معارفه "الهوليوودية" من اليهود ، غير أن عمر الشريف هو الذي قرر أن يتم هذا الاتصال عبر قناة دبلوماسية رسمية ، هي السفارة الإسرائيلية في باريس ، وهو أمر أقل ما يقال فيه أنه يدعو للاستغراب ويثير علامات استفهام كثيرة. ولو كان الرئيس السادات يرغب في أن يتم الاتصال عبر قناة دبلوماسية لما كان بحاجة إلى شخص من نوعية عمر الشريف لإجراء مثل هذا الاتصال.

الثاني: تبدو رواية عمر الشريف مفككة وغير قابلة للتصديق لسبب آخر بسيط وهو أن رؤساء البعثات الدبلوماسية في الخارج لا يقومون عادة ، فضلا عن أنهم لا يستطيعون في معظم الأحيان ، الاتصال مباشرة برؤساء دولهم أو حكوماتهم. ويفهم مما قاله عمر الشريف أن رغبته في الاتصال ببيجين استجيب لها على الفور وتمت مباشرة عبر السفير الإسرائيلي ومن مكتبه في باريس ، وهو أمر أقل ما يقال فيه أنه يخرج عن المألوف ويثير المزيد من الشكوك.

وإذا صح هذا التحليل فإنه يقود إلى واحد من احتمالين لا ثالث لهما:

ا لاحتمال الأول: أن تكون رواية عمر الشريف مختلقة من الأساس ولم تحدث أصلا ، وهو ما نستبعده. فلا يوجد سبب وجيه يدعو عمر الشريف لاختلاق رواية ركيكة من هذا النوع لمجرد الرغبة في لادعاء بأنه كان على صلة وثيقة بالرئيس السادات.

الاحتمال الثاني: أن يكون الأمر قد اختلط على عمر الشريف الذي نسي تاريخ وسياق حديث الرئيس السادات له. ونحن نرجح أن يكون الحديث المشار إليه قد تم فعلا ، ولكن بعد زيارة القدس وليس قبلها وفي سياق تعبير الرئيس السادات عن رغبته في استثمار علاقة عمر الشريف باليهود لتوليد مزيد من الضغوط على بيجين لحمله على التجاوب مع المبادرة وتليين موقفه المتشدد ، وليس لجس نبضه حول الطريقة التي سيستقبل بها هناك إذا ما قرر زيارة القدس،.

ما يدعونا لترجيح هذا الاحتمال أن المقابلة التي جرى فيها الحديث المشار غليه كانت أول مقابلة لعمر الشريف مع الرئيس السادات ، بدليل قال له فيها ، حسب نص كلمات عمر الشريف نفسه: "انتا ابننا ولازم ترجع بلدك ووطنك" و"عزمه" على فرح ابنته مهددا إياه على طريقة ابن البلد بأنه سيخاصمه إن لم يأت، ، وأن هذه المقابلة تمت في البيت الأبيض. ولأن الاحتفال بالتوقيع على اتفاقيتي كامب ديفيد ، والذي جرى في سبتمبر 79 ، هو المناسبة الوحيدة التي يمكن أن يكون عمر الشريف قد قابل فيها الرئيس السادات في البيت الأبيض ، فلا يقبل عقلا أن يكون السادات قد طلب منه في هذه المقابلة تحديدا جس نبض بيحين حول زيارة للقدس كانت قد تمت قبل هذا التاريخ بعامين،.

حين رحت أتأمل الأسباب التي تدعو عمر الشريف لتذكير الناس في هذه الأيام بالذات بأنه ترك مصر هربا من نظام عبد الناصر وعاد إليها بطلب من رجل قوبل كالأنبياء في إسرائيل ، بدا لي أن الأمر قد لا يكون مجرد صدفة أملتها عفوية الإجابة السريعة على أسئلة صحفية ، وإنما يأتي في إطار محاولات محمومة لتبييض وجه كل من سعوا في الماضي ويسعون الآن للسلام مع إسرائيل ، من منطلق أن سعينا للسلام هو الذي حرر سيناء وأعادها إلى حضن مصر.

غير أنني أختلف كلية مع هذه الرؤية. فالواقع أنه ما كان يمكن لإسرائيل أن تصل إلى درجة التوحش التي نراها عليها اليوم لو كانت مصر قد أدارت صراعها مع إسرائيل بطريقة مختلفة بعد حرب أكتوبر. لذلك لا توجد في تقديري أي علاقة بين زيارة القدس وبين تحرير سيناء. ولأنني واحد ممن رأوا في زيارة السادات للقدس دليلا على عشوائية التفكير وفقدان الرؤية الاستراتيجية ، فمن الطبيعي أن لا أشعر بارتياح تجاه كل أي محاولات لإظهار هذه المبادرة وكأنها وحي من السماء،.

حين رحت أمعن التفكير في الأسباب التي تدعو عمر الشريف ليقول ما قال عن أنور السادات خيل إلي أن سمات كثيرة تجمع بين شخصيتي رجلين أتقن كلاهما فن العلاقات العامة ليحقق لنفسه شهرة إعلامية أكبر من حجمهما. ولأن الشهرة الإعلامية لا تكفي لصنع المكانة في التاريخ فسوف تظل مكانة فاتن حمامة عند المصريين أخلد كثيرا من مكانة عمر الشريف ، حتى ولو كان الأكثر شهرة عند الغربيين،. وما يصدر على فاتن وعمر يصدق على عبد الناصر والسادات،