حلم الأكراد ووهمهم

mainThumb

27-10-2007 12:00 AM

يقال الكثير في النزعة العسكريّة الحاكمة في تركيا، ويقال الكثير أيضاً عن استعدادات تسوويّة أبداها «حزب العمال الكردستانيّ»، وأخرى حواريّة حيال أنقرة عبّرت عنها القيادة الكرديّة في العراق.

هذا كلّه صحيح، لكن صحّته مثل صحّة القول إن الوحدة العربيّة لم تعد على جدول الأعمال لدى أيّ من الأطراف العربيّة، رسميّة كانت أم شعبيّة. ومع هذا فحين غزا صدّام حسين الكويت تبيّن أن «إعادة الفرع الى الأصل» لا تزال تقيم عميقاً في مخيّلة «الجماهير» العربيّة.

قصارى القول، إذاً، إن حلم كردستان الكبرى لا يزال متمكّناً من مخيّلة «الجماهير» الكرديّة، بغضّ النظر عن نفي القادة والسياسيّين والأحزاب. وهذا هو السبب العميق وراء عجز قيادة الأكراد في العراق عن منع عمليّات حزب العمّال انطلاقاً من أرضهم. بل هذا هو السبب العميق الذي يتيح للحزب المذكور استثمار «الأخوّة القوميّة» وتنفيذ عملياته. وتجربة كهذه يعرفها جيّداً الفلسطينيّون والأردنيّون واللبنانيّون ممن أدّى تطبيقهم المشابه لـ «الأخوّة القوميّة» الى عدد من حروبهم الأهليّة وعدد آخر من الاحتلالات الاسرائيليّة.
صحيح أن بعض المثقّفين الأكراد في بلدانهم الكثيرة بدأوا الآن يساجلون. وهو، بالمناسبة، ومع حفظ الفوارق، يذكّر بسجالات سابقة عرفتها الأمميّة الاشتراكيّة الأوروبيّة الثانية حول الحرب وحق تقرير المصير و «الانهزاميّة الثوريّة»، وبأخرى عرفتها البيئة الثقافيّة اليهوديّة في أوروبا بين دعاة الاندماج في بلدان الإقامة ودعاة الصهيونيّة، كما بين الصهاينة السياسيّين والصهاينة الثقافيّين. فهذا النوع من السجالات إنما ينمّ عن الوقوف أمام منعطف تاريخيّ كبير: من مرحلة الى مرحلة ولكنْ أيضاً من وعي الى وعي آخر يواكب الجديد.

بيد أن ما يعيشه المثقّفون الأكراد، لا سيّما العراقيّين منهم، مما يُستحسن توسيعه ليشمل قطاعات شعبيّة أعرض، مثلما يُستحسن إغناؤه عبر تضمينه تجارب الآخرين، خصوصاً جيرانهم العرب، فضلاً عن الأكراد أنفسهم.

فلا يجوز، فيما هناك تجربة تُبنى في كردستان العراقيّة، أن تُباد?Zل عشرة عصافير في اليد بعصفور على الشجرة. وإذا كان من طاقة سياسيّة وتعبويّة صالحة للإنفاق، فلتنف?Zق على تحسين أداء الحكم الذاتيّ في الشمال، ومكافحة الفساد هناك، وبلورة العلاقة بالعراق الذي لا يزال، حتى إشعار آخر، قائماً. وفي العراق، كما في غيره من البلدان التي يقيم فيها أكراد، يستطيع حسّهم وتجربتهم الأقليّان إغناء نضالات تلك البلدان وشعوبها وتطوير بُعدها الديموقراطيّ المحتمل. أما الأحلام القوميّة الكبرى فقد غدت، منذ أواخر القرن التاسع عشر، أقرب الى الأوهام: ولننظر في عدد الوحدات التي تمّت، بعد الوحدتين الألمانيّة والايطاليّة أواخر القرن التاسع عشر، ولننظر، في المقابل، في عدد التجزئات الناجحة التي طرأت. فالوحدتان المذكورتان اختُتم بهما وجه العالم الحديث وخريطته، وهو ما امتدّ الى سائر الأرض، من خلال الاستعمار، بعد الحرب العالميّة الأولى. وقد يكفي القول، تذكيراً، إن المشروع الوطنيّ الأكبر الذي عرفه القرن العشرون، أي استقلال الهند في 1947، كان وجهه الملازم انقسام الدولة الناشئة دولتين ووطنين.

وفي ما خصّ كردستان تحديداً، ينبغي أن تكون للنزعة الإراديّة المندفعة حدودها. فقريب من المحال افتراض التغلّب على وحدات العراق وتركيا وإيران وربما سورية، لإنشاء وحدة كرديّة. وهذا ناهيك عن أزمة المنطق القوميّ نفسه: إذ أن توحيد كردستان، كما هو معلوم، لن يكون إلا تقسيماً للبلدان الأخرى.