خطّ الفساد

خطّ الفساد

21-02-2012 08:37 PM

هذا الخطّ، افتراضيّ وهميّ خياليّ كحمى كُليب، لا يجرؤ أحد رسمَه أو تحديدَه؛ فمثُلنا تعوّد على رسم خطّ الفقر، من خلال الاستجابة لدراسات وزارات أو هيئات لتحديده وتعريفه ومعرفة جيوبه وزواياه ومنعطفاته.

 في حين لم تكلّف أيّ وزارة أو مؤسسة أو معهد دراسات أو جامعة بتعريف خطّ الفساد، ومواخيره وبيوته؛ وإن كان هناك خطّ للفقرّ معترف به، فهذا يعني بالضرورة وجود خطّ فساد مسببٍ له؛ فإذا كان الفقر نتيجة فالفساد سببه، فالعلاقة بينهما، إذن، سببيّة. وليس من العدل ولا من المنطق دراسة نتيجة ما دون دراسة أسبابها. وعندما يسود الفساد في ماخور ما، ينتشر الفقر في جيب ما. 

معادلة ليست بحاجة إلى كثير تفكير وتدبّر. وكما الفقر واضح جليّ للعيان، فكذلك الفساد؛ فالموظّف العام مهما كانت رتبته ومرتبته لن يتحدث بالملايين وعشرات الملايين من وظيفته الاعتيادية.

 ومعظم الموظفين خدموا في سلك الحكومة والقطاع العام عشرات السنيين وما زال الكثير منهم يفتقر إلى توفير الاحتياجات الأساسية للحياة من مأكل ومشرب وملبس وسكن كريم قبل أن يهدمه اللئام.

 حتى القطاع الخاص الذي تزاوج مع المتنفذين في القطاع العام تجاوز الخطوط الطبيعية في الربح والكسب، فصار حديثهم بأرقام خيالية من خلال استغلال القربى والقرابة، والصحبة والزمالة، وتبادل المنفعة على المبدأ المتعارف عليه( حكّ لي تـ حكّ لك). كلّ هذا وغيره على حساب الوطن والمواطن ونظام الحكم، وعلى حساب الدين والعرف والتقاليد، وعلى حساب الشرف ومكارم الأخلاق، وعلى كلّ ما هو طاهر ونقيّ. خطّ الفقر وجيوبه منتشر في كثير من أركان هذا البلد، وخطّ الفساد محصور في بؤر ودهاليز معروفة ومتداولة بين السائرين على الخطّ الأوّل؛ فدولته أو معاليه أو سعادته مثلا معروف لدى أبناء هذا الوطن فردا لا يختلف كثيرا عما نحن عليه، فإذ بليلة (ما فيها ضو قمر) يصبح من الذّوات الذين حديثهم بالملايين، وتعاملهم بآحاد الملايين، وأرصدتهم بعشرات الملايين؛ فأنّى لهم هذا!! تلك هي النقطة الأولى في تحديد خطّ الفساد. 

وما النقاط الأخرى ببعيدة عن النقطة الأولى، فما هي إلا سلسلة من النقاط واحدة تلو الأخرى؛ ممتلكات، قصور، أراضي، نفوذ.....وغيرها من نقاط ونقط تشكّل هذا الخطّ وتعطيه ملامحه وخصائصه.

 وأما النوع الثاني من هؤلاء الفاسدين فهم الذين لا نعرف لهم منبتا ولا أصلا؛ فَسِحَنُ وجوههم غير مغبرّة بتراب المفرق، ولا ملفوحة بشمس الأغوار، ولا يميزون بين تلّ إربد وسفوح شيحان. إنّهم قوم ينتمون إلى وطن يدعى دينارا ودرهما؛ فأين كانا يكونوا. هذا هو وطنهم؛ وطن لا تحدّه جغرافية ولا دين ولا عرق. ولهذا، فإنّ دمار الأوطان وشعوبها وأنظمتها الحاكمة ليست بذي بال عندهم، ولا من ضمن اهتماماتهم؛ إنهم غربان مهاجرة، جنتهم دينارهم، ونعيمهم درهمهم، لا فرق عندهم حلاله وحرامه. قوانين وأنظمة وتعليمات تشرّع بأيدي مَنْ لا شِرعةَ لهم ولا مبدأ؛ تحارب الفلاح والمزارع بمنتجاته التي رواها بعرقه وعرق أسرته، ففي يوم نرى سعر بندورة المزارع بمقدار تافه، وبعد فترة ما تنزل إلى السوق بندورة بأسعار مرتفعة ليست لفلاحنا ولا لمزارعنا. 

مما يستدعي أن يكون مزارعنا تحت رحمة الكمنسجية كبارهم وصغارهم، في حين يضع هذا الفلاح رأسه بين يديه مطرقا ألما وغصة. وهي ذات القوانين أو شبهها التي تحارب أبناء البادية برزقهم وحلالهم كي تدفعهم دفعا نحو التّخلي عن هذه المهنة التي يعتاشون منها، وذلك لصالح حيتان التجارة والشركات التي تستورد الحيوانات من نيوزلندا وبلغايا وأستراليا والسودان بل وأثيوبيا، والتي تفوح روائحها وروائح( بعض) المستوردين لها. 

وقس على هذا وغيره صنوف الاحتكار لكل سلعة يحتاج إليها المواطن كالحديد مثلا لا حصرا. تلك هي بعض مستنقعات الفساد؛ بشخوصه وقوانينه؛ فخطّ الفقر بيّنٌ وخطّ الفساد بيّنٌ. فيا أيها القائمون على الدراسات وإجرائها، هل لكم بتزيودنا يوما ما بخطّ الفساد: تعريفه، الشريحة والعينة الخاضعة للدراسة،متغيراته، أرقامه وأعداده..... وأخيرا، أسماء السائرين عليه وكناهم وألقابهم. للعلم؛ كثر الحديث عن الفاسدين في الأردن جدّا، والسبب في ذلك يُعزى إلى أنّ الأردن أرضًا وشعبًا نقيٌّ طاهرٌ، يرى الفساد نبتة غريبة عن تربته. وأنّ اقتلاعها بأسرع وقت ممكن يعيد للأردن بهاءه الذي يحاول الآخرون النّكرات تشويهه.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأشغال تسلم 4 مدارس جديدة وتباشر تنفيذ 11 مشروعا تعليميا

الأمانة العامة للنواب تحيل قرار حبس الرياطي للمستقلة للانتخاب بعد تسلمه

تعيين الحكم الأميركي إسماعيل الفاتح لإدارة مواجهة إنجلترا والأرجنتين

هجوم صاروخي على ناقلة أثناء عبورها قرب السواحل العُمانية

أسعار الذهب في السوق المحلية الثلاثاء

عبدالله النسور نائبا أول لرئيس مجلس الأعيان وهاني الملقي نائبا ثانيا

مصابون في قصف للاحتلال الإسرائيلي على غزة

الأردن يستورد هواتف خلوية بقيمة 84 مليون دينار بالنصف الأول من العام

تلفريك عجلون يقدم خصم خاص لزوار مهرجان صيف عمّان

الحكومة تنشر أبرز ملامح مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية

التربية تدعو مرشحي الدبلوم العالي لاختبار تنافسي إلكتروني

طرح عطاء لتخفيف الازدحامات المرورية على بوابة جسر الملك حسين

مستوطنون يخربون بيوتا بلاستيكية جنوبي نابلس

اتحاد النحالين: 60 نحالا يشاركون في نسخة 2026 من مهرجان العسل الأردني

إمكان الإسكان يشارك في قطف محاصيل مزرعة الدار بالتعاون مع دار أبو عبدالله

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة

السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله

استقالات مفاجئة تهز مجلس جامعة اليرموك .. ومصادر تكشف كواليس الخطوة

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

جريمة تهز المواقع .. قتلت زوجها لأنه يحبها ويهتم بها .. صورة

مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

قتيل واصابة بمحافظة جرش

تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة

السوسنة السوداء .. حكاية ترخيص أم أزمة حوكمة؟

هل تطوي الحكومة صفحة خالد البكار؟ رسائل المومني تفتح باب التهدئة والتعديل الوزاري