المساواتيّة حيال سورية

المساواتيّة حيال سورية

16-06-2012 01:56 AM

 حين أعلن هيرفيه لادسوس أنّ سورية تدخل حرباً شاملة، «اتّفقت» السلطة والمعارضة السوريّتان على نفي هذا الوصف الذي أطلقه الأمين العام المساعد للأمم المتّحدة لشؤون عمليّات حفظ السلام

فالسلطة، المصرّة على نظريّة المؤامرة التي ينفّذها مندسّون وعملاء، يفضحها ويفضح زعمَها الإقرارُ بأنّ ما يحصل حرب أهليّة. أمّا المعارضة، وهي من حيث المبدأ سلميّة، فتعجز، في مناخ حرب أهليّة معترف بها، عن البرهنة على سلميّتها، فضلاً عن أنّ «الحرب الأهليّة» تحاصر نظريّة النظام المعزول الذي لا يستمرّ إلّا بقوّة القمع العاري. وربّما من موقعيهما المتباينين، «اتّفق» الطرفان على مقدّمة أيديولوجيّة واحدة مفادها أنّ «الشعب» موحّد «وراءنا». والحرب الأهليّة تنفي التوحّد أصلاً، بل تهدّد بنفي «الشعب» ذاته وبتقديمه جماعات متناحرة فحسب.
 
والحال أنّ علامات متكاثرة، لا سيّما بعد مجزرتي الحولة والقبير، تشير إلى انزياح أكبر نحو التسلّح والأعمال الحربيّة. وهذا فضلاً عن انزياحين آخرين تتزايد القرائن الدالّة عليهما: واحد من السياسيّ إلى المجتمعيّ، يحفّ به انفجار الكلام المكبوت أو المقنّع انفجاراً طائفيّاً صريحاً، وثانٍ من الداخليّ إلى الخارجيّ، تعلو معه نبرة الكلام في مصالح الدول وإراداتها، وفي خططها المرسومة لسورية.
 
وهذا الأفق الكئيب لن يترافق فحسب مع دم أكثر وأحقاد أقوى، بل قد يترافق مع تأسيس عدد من الاستحالات المستقبليّة، أو عدد من «عادات» العيش المنفصل التي يغدو الرجوع بعدها إلى سلطة مركزيّة جامعة أمراً بالغ الصعوبة. فهل، بعد تجريب هذه «العادات»، سيعيش معاً العرب والكرد، ودير الزور والقامشلي، ودمشق وحلب، كي لا نذكر الطائفتين السنّيّة والعلويّة؟
 
في موازاة انهيارات كارثيّة كهذه، لا سيّما إن لم يحصل تدخّل خارجيّ لا يلوح في الأفق، سيلفّ الضبابُ سوريةَ والمشرقَ على مستويي الفكر واللغة السياسيّين أيضاً، وستطفو الحجّة التي تحمّل «الطرفين» المسؤوليّة عمّا جرى ويجري. وهي حجّة نلقاها اليوم في أوساط كان معظمها متردّداً أصلاً في دعم الثورة السورية، إمّا لأنّها غير ممانعة أو لأنّها غير علمانيّة.
 
والحال أنّ هذه «المساواة» لا تقوم لها قائمة إلّا في زمن الكوارث والانهيارات. فالوعظ المساواتيّ، وبصرف النظر عن الوجهة التي سيتّجهها الوضع السوريّ، يبقى جريمة مركّبة سياسيّاً وأخلاقيّاً. وهو، في واقع الأمر، استبق الاندفاع إلى الحرب الأهليّة حين جعل المسألة الأولى في النزاع تتعلّق بقطر ولافروف وهيلاري كلينتون، أو بما اعتبره طابعاً دينيّاً ومذهبيّاً طاغياً على الثورة.
 
بلغة أخرى، تولّى المساواتيّون إحداث الانزياح من الداخليّ إلى الخارجيّ، ومن السياسيّ إلى المجتمعيّ، قبل أن يحصل هذا الانزياح. وفي هذا كان يُغيّب السؤال المركزيّ الحاكم: أيحقّ، أو لا يحقّ، لشعب حُكم منذ 1963، من دون أن يُسأل رأيه في حكمه، أن يثور؟ أيحقّ، أو لا يحقّ، لشعب حُكم بالاستخبارات والزنازين والإفقار والتجهيل، أن يثور؟
 
قد يقال، بكثير من الصواب، إنّ هذه الثورة وقعت على أرض بالغة التفتّت، زادها الحكم البعثيّ – الأسديّ المديد تفتّتاً. لهذا قد نجدنا أمام انفجار يطاول «باندورا» السورية، وقد لا ننتهي من هذا السيناريو الكارثيّ إلّا بمؤتمر دوليّ ضخم يعيد الاعتبار لأعمال بناء السلطات من خارجها، أو ربّما إعادة رسم الحدود ذاتها. إلّا أنّ شيئاً واحداً يبقى مؤكّداً، هو أنّ «الطرفين» لا يتساويان في شيء: أحدهما على حقّ والآخر ضدّ الحقّ، وليكن ما يكون.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث

ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال

تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة

حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم

إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو

جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل

إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته

من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو

بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ

القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم

إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي

بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات

من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله

ضبط 56 عاملة منزل مخالفة داخل 4 حافلات على طريق المطار

كفنٌ طُرّز بالكرامة .. تشييع شهداء خدمة العلم الخمسة .. فيديو