بقلم : م. علي الجازي
عندما توفي الملك حسين كنت في رحلة خارج الأردن , وحين عُدت حَمدتُ الله على أن نبؤة جارنا العزيز لم تتحقق , لأني حين عُدت وجدتُ الشوارع على حالها, والبيوت على حالها , وحتى جارنا كان على حاله , إلا أنه لا يزال يُصر على نبؤتهِ بعد أن أدخل عليها بعض التعديلات فهل عرفتم النبؤة ؟ إذا لم تعرفو إسألو جاركم فقد رددها جميع الجيران في ذلك الوقت .
وقبل عامين تقريبا سمعت خبراً مفادهُ أن شاب تونسي قام بإحراق نفسه , بصراحة لم يستوقفني الخبر فأنا أعرف التوانسه وأعرف تفكيرهم وإهتماماتهم , ولكن ما حدث بعد ذلك أدهشني كما أدهش العالم قبلي , فكيف أمكن لذلك الشاب التونسي الحالم بالهجرة الى فرنسا حيث العطور والجمال أن يتحول إالى وحش يكسر طوق بن علي الأمني ويرمي به الى قارة أُخرى , ويأتي بالشيخ الغنوشي ويسلمه تونس حبَّا وكرامة ... إنها معجزة .
وبينما أنا اُفكر كغيري بما حدث ظهر وائل غنيم ذلك المهندس اللطيف المنفتح على الحياة والبعيد عن السياسة وتعقيداتها , وقف ليطالب بالثأر لصديقه الذي قتلهُ رجال الأمن ولكن ما طلبه كان غاليا لدرجة أن فرعون مصر لم يستطع أن يدفعه , فإكتفى وائل بإسقاطه وسَجنهِ مدى الحياة .
ثم إنتقلنا الى مدينة البيضاء الليبية , عاصمة الملك السنوسي رحمه الله , الذي آثر التخلي عن مُلكهِ على أن تُراق قطرة دم ليبيه , مدينة البيضاء التي أعرفها كما أعرف قريتي الحسينيه فقد عملتُ فيها أربعة أعوام وللحق لم أستغرب أن يتولى السيد مصطفى عبد الجليل – وهو من أبناء البيضاء – رئاسة المجلس الإنتقالي فهو من أكثر الناس الذين عرفتُهم علماً ودينا وتواضعا وشجاعة , والان أنا اُدرك كما يدرك الكثيرين أن ما يحدث ليس مؤامرة كونية أو خطة صهيونية , بل هي مشيئة الآهيَّة وثورة عربية ومشروع نهضة يبنيهُ شباب لا يعرفون جاري العزيز ولا يؤمنون بنبؤاته .
والآن أعود لسؤالي الأول .... لماذا أنا معارض ؟
في الحقيقة أنا لم أولد بعائلة سياسية وليس لأبي أي إنتماءات حزبية وجُل أهماماته كانت محصورة بالمونديال الإنتخابي وبفوز مرشح القبيلة الذي لا يمتلك أي مؤهلات غير إسمه وعباءته , لكن ما جعلني أنتقل من أقصى الزاوية الى أقصى الزاوية المقابلة هو ذلك الكم الكبير من التساؤلات التي لاتزال تدور في راسي باحثة عن إجابات لا أضنني ساجدها واليوم وأنا أنظر الى الطرف الآخر أجد نفسي غير معارض بل أنا ( متوافق ) نعم إن ما بِتُّ أعتقده وأؤمن به متوافق مع كل مبادئ الخير التي لا تستقيم الحياة بدونها .
كما أنني أتساءل : بماذا تشابهت تلك الانظمة البائده ؟ ولماذا يكاد يتكررالخطاب وتروى نفس الحكايات عن المؤامرة والعملاء ؟ ولماذا ظل أولئك يقعون بنفس الأخطاء مع وضوح النتيجة أمامهم وهل الأردن أستثناء ؟ وكيف يكون إستثناءً ؟ ألم تُباع مقدرات الوطن ؟ ألم تتحكم حفنةٌ من الفاسدين بالبلاد والعباد ؟ ألم تُكمم الأفواه ؟ ألم تُصارد الحريات ؟ ألم ..ألم؟ أليست هذه أسباب الربيع العربي ؟ فلما كل هذا الإرتياح أيها النظام ؟
إنني لن اُخاطب النظام فهو لم يفعل شئ ليكتسب شرعيته , ولن يفعل شئ ليحافظ عليها ولن اُطالبه بشئ لأني أعرف أن الله يهَبُ المُلكَ لِمن يَشاءُ , وينزِعُ المُلك ممَّن يَشاءُ, ويُعز من يشاءُ , ويُذِلُ من يَشاءُ , ولكني اُوجهُ قلمي نحو أولئك الواقفينَ بالطرف الآخر وأقول : إن أبا جهل لم يحارب إبن أخيه إلا لانه رأى فيه تهديدا لمكانته ومصالحه وسلطانه , ولكنه عندما حرَّض قريش قال لهم أن محمدا يَسُب الهتكم ويهدد أمنكم وتجارتكم فصدقوه وأيدوه فلم يغني عنهم من الله شيئا , ووجدو معه في بدر ما وعدهم الله حقا , إن أبو جهل هاشمي وأبو لهب هاشمي وأبو طالب أيضا هاشمي ولكن هاشميتهم لم تهدهم الى الحق ولم تغني عنهم من الله شيئا .
أيها الواقفون هناك يا من تدَّعون أنكم أغلبية صامته , وتنتظرون فاتحا يأتيكم ويقول لكم إذهبوا فأنتم الطلقاء إعلمو أن في الاردن جماعتان , الاولى فاسدة متسلطه تملك القليل من القوة والكثير من الخوف , والثانية حرةٌ صامده , سلاحها الحق والإيمان بأنه لا بُد أن يَحِق فأنظرو أين تقفون وأي الجماعتين تؤيدون , وأعلمو ايضا أن الوطني والفاسد لا يتفقان والتقي والفاسق لا يجتمعان , وكذلك المطالب بالحق والساكت عنه لا يستويان وأخيرا إلى كل من لا يزال يراني معارض ويرى نفسه غير ذلك أقول له كما يقول المثل الروسي :
إذا كنت ديكا فأرفع عقيرتك بالصياح , أما إذا كنت دجاجة فضع بيضتك واصمت