المدرسة الأردنية : الواقع المسكوت عنه

المدرسة الأردنية : الواقع المسكوت عنه

25-09-2012 10:55 AM

 من خلال الواقع الميداني والمشاهدات اليومية، فان المدارس الأردنية تعاني من جملة من المشكلات والظواهر السلبية التي تكاد تكون مستعصية، وهذه الظواهر بدأت تتفاقم يوماً بعد يوم، بشكل بات من المستحيل السكوت عنه وما لم تحدث ثورة شاملة في النظام التربوي بكافة مكوناته ومدخلاته وعناصره من الطلبة والمعلمين والإدارة والإشراف والمناهج وأساليب التقويم. ولم يستطع النظام التربوي الأردني تغيير سلوك الطالب وتأهيله بما يخدم المجتمع، بل ساعدنا على نمو ظواهر سلبية في داخل المدرسة والمجتمع بصورة عامة. وفي المقالة الأولى سوف نتناول واقع المعلم الأردني في المدارس الأردنية، إما المقالة الثانية فسوف تتناول واقع الطالب الأردني، ومن ثم نتناول في مقالة ثالثة واقع المناهج المطبقة في المدرسة الأردنية، وأخيراً سنتناول في مقالة رابعة واقع القيادات التربوية في الإدارة التربوية في الأردن.

 
 
واقع المعلم الأردني 
 
 
يعتبر المعلم في التعليم العام العامل الرئيس، لا بل هو أهم وأخطر عامل فيها. وعلى كفاية المعلم تعتمد بصورة أساسية كفاية التعليم العام، في أداء رسالة التعليم بأمانة والقيام بوظائفه بكفاية وتحقيق أهدافه بفعالية. ويقول أرسطو إن من يعلم الأولاد بجودة ومهارة أحق بالاحترام والتقدير من الذين ينجبونهم وأضيف أن المدرسة لا تبني على الأرض وإنما تُبنى على المعلم، وهو الطرف المباشر في العملية التعليمية /التعلمية.
 
 
أوجدت وزارة التربية المعلم في مدارسها بمواصفات لا تكفي لينخرط بهذه المهنة، وبالتالي تم وضعه في غير محله المناسب. حيث يتم احتياره دون أي أساس علمي أو منطقي سوى الشهادة التي يحملها من الجامعة وسنوات الأقدمية في التخرج أو المعدل. فالتأهيل والإعداد الذي تقوم به الوزارة للمعلم الجديد لا يغني ولا يسمن من جوع، وهو أشبه ما يكون بالتدريب السريع الذي تقوم به الجيوش المحاربة لفرق المتطوعين الذين لا يعرفون شيئاً عن الحروب، وعندما يدخل المدرسة لأول مرة يشعر بأنه داخل معركة حامية الوطيس لا يحمل أي شيء من تكتيكاتها فيصاب بالصدمة والذهول منذ اليوم الأول وقد تستمر معه هذه الحالة إلى آخر يوم من خدمته، هذا في حال عدم استقالته أو استنكافه عن العمل. حيث باتت ظاهرة الاستنكاف من الظواهر المقلقة في المدارس الأردنية وهذا يعزى إلى العديد من الأسباب التي لا مجال لذكرها هنا. وتفتقر برامج إعداد المعلم وتأهيله -ان وجدت- على شمولية إعداد المعلم المهني، وقدرته على المساهمة بفاعلية في تطوير شخصية الطالب بجميع أبعادها العقلية والنفسية والاجتماعية والجسمية والتركيز على تنمية قدرته على التفكير والبحث والإبداع.
 
يعين المعلم كما يعين المدير والمراسل في المدرسة أي عن غيب أو من فوق، فلا تتكون صلة روحية أو تربوية بينه وبين الإدارة التربوية أو المدرسية، ولذلك يذهب المعلم الجديد إلى العمل في مدرسة مجهولة مجتمعاً ومديراً وطلبةً ومنهاجاً وكتباً، ولأننا نترك المعلم فريسة الهواجس عن كل هذه العوامل المثيرة فإنه يصدم بعمله منذ اليوم الأول، وقد تستمر الصدمة طيلة عمله في التعليم.
 
إن المعلم لا يشعر بالانتماء لوظيفته، لأنها لا تساوي شيئاً مقارنة مع الوجاهة المكتبية التي يتمتع بها موظف آخر في الحكومة مهما كانت وظيفته أو مؤهله، والمتمثلة بالمكتب المستقل والمقاعد الوثيرة والتلفون والتدفئة، وكل ذلك مقابل جارور في طاولة في غرفة للمعلمين تكتظ بعشرات المعلمين ومقارعة عدد كبير من الصفوف والطلبة كل يوم.
 
إن المعلم هو الذي صنع  الطبيب والمهندس والصيدلي والكاتب والوزير والنائب، ومع ذلك فبعضهم ما زال في مدرسته ويكتب على نفس اللوح الأسود أو الأخضر وما زالت الطباشير تعفر يديه وملابسه، وما زال بلا غرفة أو مقعد أو طاولة، ويحمل نفس اللقب معلم منذ أن دخل سلك التعليم منذ ثلاثين عاماً ونيف وما زال راتبه يسير بسرعة السلحفاء، بينما العديد من طلابه أصبحوا يتمتعون بالمكتب الوثير المكيف والسيارة الفارهة المراتب العليا والرواتب المجزية. ولذلك كله لا يلتحق الآن أحسن الطلبة بمهنة التعليم، كما لا يبقى أحسن المعلمين والمعلمات في المهنة.
 
كما وتشير المشاهدات إلى حرمان المعلمين من أصحاب المعدلات العالية وحملة المؤهلات العلمية كالعلوم بكافة حقولها، واللغة الإنجليزية من الوصول إلى الإدارة المدرسية أو التربوية بكافة مستوياتها بحجة ان الميدان بحاجة لهم، وهي حجة مرفوضة تربوياً وعالمياً. 
 
يحس المعلم أنه كتب عليه أن يبقى معلماً حيث هو إلى أن يموت. لأن طريق الترقي والارتقاء الإداري أمامه مغلق لكثرة المعلمين والمعلمات المتنافسين على ذلك من جهة، ولطبيعة نظام الخدمة المدنية من جهة أخرى، حيث أن العاملين في الإدارة التربوية هم الأكثر فرصاً للترقي الإداري. كما ويحرم من الدرجة الخاصة بدون منطق إنساني  وبحجج واهية وهي مرفوضة تربوياً وإنسانياً وعالمياً.
 
المعلم يحس بأنه مُسيّر منذ تعينه، وأنه غير مشارك في صنع مسيرة التعليم في البلاد، مع أنه يعد مسؤولاً عنها أمام المجتمع، مع إعفاء مدير المدرسة والمشرف ومدير التربية والقادة التربويين من هذه المسؤولية. فالأخطاء كلها تعلق على عاتق المعلم دون النظر إلى النظام بشكله الشمولي.
 
أن كثيرا من الطلبة خريجي الثانوية العامة يبتعدون عن دراسة التخصصات التعليمية، بسبب الواقع السيئ الذي يعانون منه في ظل عدم وجود تنظيم نقابي يتبنى قضاياهم ويعمل على حل مشاكلهم وإصلاح واقعهم. حيث إنهم يعانون من تراجع اجتماعي واقتصادي ولكل هذا انعكاسات حادة وسلبية على المجتمع الأردني. وعلى ما يبدو فان مشروع نقابة المعلمين بدأ يتحقق نتيجة حراك المعلمين الذي نتج عن وضعهم الاجتماعي السيئ وتراجع مستويات ونوعية التعليم الوطني بشكل حاد.
 
بالنسبة لرواتب المعلمين ودخولهم فهي متدنية، وهذا يلعب دورا كبيرا في تعزيز النظرة السلبية إلى المعلم, ومهنة التعليم, سواء من قبل المعلمين أنفسهم, أو من قبل الطلبة وأولياء أمورهم وفئات المجتمع عامة, وهذا يترك أثاراً سلبية كبيرة على عطاء المعلمين ونجاحهم المهني.
 
واقع المعلم في الأردن يندى له الجبين فهذه المهنة المقدسة والإنسانية كان من الاولى ان تحاط بالرعاية والتكريم من قبل أصحاب القرار بدلاً من استمرار وضع رؤوسهم بالرمال, حيث يعلمون بكل شيء ولا يفعلون شيء وقطاع المعلمين حينما أعلنت الإضرابات لم يكن ذلك من فراغ بل نتيجة التجاهل الحكومي والاستخفاف الموجه لقطاع المعلمين الهام في الأردن.
 
إن تجربة الدول المتقدمة في إعداد المعلم، وفي توفير الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تؤمن له حياة كريمة محترمة تجربة يمكن الإفادة منها. فهذه الدول تعتبر التعليم مهنة لا يمارسها إلا من يجاز لها وفق قواعد محددة، وتعتبر مهنة التعليم مهنة راقية كمهنة الطب والصيدلة والهندسة. وتعطيها امتيازات هذه المهن المادية والاجتماعية.
 
إذا كان هذا غيض من فيض من واقع المعلم الأردني المزري، فما هو واقع الطالب الأردن وهو من أهم عناصر منظومة التعليم في الأردن.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد