مخابرات .. وآذان وحيطان

مخابرات  ..  وآذان وحيطان

03-11-2012 08:52 PM

 جدتي عثمانيةُ الملامح ... تتربعُ على هضبة وجهها الاناضوليّ لوحةٌ زرقاء . نقشتها ابرةُ رسامْ ، نسيت العجوزُ اسمه ، ونسي الرسامُ أن يذكرنا باسمه. تقرأ على تضاريس هذا الوجه العثمانيّ ، تاريخَ جيلْ ،وفي كل خيطً لحميّ حاكَ هذا الوجه حكاية ، وفي كل انثناءةٍ رواية . شهدت صفحةُ هذا الوجه ، التماعاتِ برقِ حوران ، ولوحتهُ شمسُها ، وعاثت بجنبـــاتهِ مظاهرُ قحطها ، وبخلُ حقولِها .

 
 تتلفعُ جـــــدتي بـ ( دامرٍ) رافقَ جسدَها منذ عهدتها عيناي ، حتى ظننت أن دامرَها ، جزءٌ ومكونٌ رئيس من هذا الجسد . من بين جنباتهِ تشتمُ رائحةَ النعناع البريّ، تخالطُها رائحةُ زعترٍ وقيصومْ ، ولو بحثتَ بجيوبه ، لوقعتْ يداك على أجنةِ زيتونٍ ، ماتت أمهاتها من عقودْ ، ولعل هذا (الدامر) ، رافق جدتي وتنقـّل معها ، ما بين شعفاط وباب الوادْ ، وابتلت أردانه بمياه نهر الاردن ، التي تمرّدت على سياقه . هناك حيث زوجها جنديا في الجيش العربيّ ، ببارودةٍ لا أعرفُ ان كانت عُصمليّةً أو كندية ... آهٍ يا حكايات ما وراء النهر !! كم أنت مستودعُ حكاياتٍ لا ينضبْ .
 
ظلُّ شجرةِ الرمانْ ، أعـزُّ مكانٍ لجدتي في الدنيا ، تتخيـّره العجوزُ مكانا للبوحِ ( وفشّة الخلق ) . ولا تطيبُ حكاياتها الا برفقةِ غليونِها البدائيّ ، تحشو فمَه الجائعَ بالتبغ البدائيّ ، ولا تحلو قصصُها وتخاريفُها الا حين أجالسُها ، ولعلي كنت دائما الاقربَ لقلبها ، من بين الاحفادِ وأبناءِ الاحفاد ، لأني الاكثرَ بينهم استماعا وهزِّ رأسٍ لما تقولْ ، وأشدهم استقصاءً وتساؤلا . 
 
وما أن تتموضع العجوز في مكانها المفضل تحت شجرة الرمان ، وما أن ألمح غيمةَ التبغ تتغشـّاها ، وتتسلل الى أنفي رائحته ، انسلُ من بين كتبي ودفاتري ، الى دفءٍ أشفق على كل من لا يحسُّ به ، دفءِ الجدة الذي لا يعدله دفءٌ في الدنيا . ثم تنهلُّ الاسئلة على لساني : متى ؟ كيف ؟ من هم ؟ ولماذا ؟ . وقبل الاجابة ، تمسحُ الجدةُ المنطقة  بعينين أتعبتهما عتمة  ليالي حوران ، وكسّر أجفانهما تعاقب ايامها ، وحين تتأكدُ من تأمين المنطقةِ ، تفتتح السردَ كالعادة بقولها : ( يا بنيّ ... الحيطان ليها اذان ) .
 
جدتي من جيل المضبوعين المتوجسين ، لكنها من جيل الطيبين الآمنين ، تحدثني عن كلوب باشا ، وعن غزوات العربان ، عن عيون الماء ، وأغاني الرعاة وحداء الحصادين .. عن السنونو وبيادر القمح . جدتي غضبت كثيرا على مدرب منتخبنا الوطني لكرة القدم ، وانفرجت أساريرها لحديث رئيس وزرائنا ـ عبد الله النسور ـ على فضائية العربية . جدتي تتحدث كثيرا عن اتفاقية وادي عربة ، وتعرف كمية  المياه التي خزنـّها سد الوحدة .
 
 وهي تتابع حراكات الشارع الاردني ، تحفظ أسماء مسيرات الجمعة ، ولا تهمها أخبار بابا عمرو ومعظمية الشام والرستن ، ولم تغضب كثيرا لتعيين قريبها سفيرا في تل أبيب ، جدتي تحفظ أغاني اللوزيين ، كحفظها لأغنية ( يا مهدبات الهدب : غنن على وصفي ) ، فلا أحد ينافس جدتي ، حبا لوصفي التل ، وهزاع المجالي ، وعبد الحميد شرف . وأغلب الظن ، أن جدتي تعرف السبب في منح المؤلفة قلوبهم ، سبعة وعشرين مقعدا في البرلمان القادم ، وأظنها تعرف مصير أموال فقراء ومنكوبي البورصات الوهمية . جدتي تكره جهاد الخازن وصحيفة الشرق الاوسط ، وحلفت ان رأت جبريل الرجوب ، لتضربه بـ (باكورها) وتقطع لسانه الذي هزئ بالأردنيات .
 
فجأة يقطع حديثـَها اهتزازُ (دامرها) ، تمد يدها المعروقة برفق الى جيب الـ (دامر) ، لتتناول هاتفها النقال . على الطرف الآخر ( رقمٌ خاص ) . تتغير ملامح العجوز ....تتمتم بصوت غير مسموع ... يمتقع وجهها ، ثم تغلق الهاتف ، وتقول بألم : لو يعرفون كم أعشق هذا الوطن ، لتركوني بحالي ، فهناك من هم أولى وأحق بالمراقبة والتتبع . ثم تلومني ، أما قلت لك يا طارق : أن للحيطان آذان وعيون ، بل أصبح للحيطان هواتف ، تلاحقني حتى تحت شجرة الرمان .


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد