الأوراق التي تملكها طهران… والورقة التي أضاعها العرب

الأوراق التي تملكها طهران… والورقة التي أضاعها العرب

11-03-2026 01:18 PM

في زمن الحروب الكبرى لا تنتصر الجيوش وحدها، بل تنتصر العقول التي تعرف كيف تدير الصراع، وكيف تحوّل ضعفها إلى أوراق ضغط في وجه خصوم أقوى منها. فالحروب الحديثة لم تعد مجرد صواريخ وطائرات، بل هي شبكة معقدة من الاقتصاد والسياسة والتحالفات وإدارة المصالح الدولية.
وفي خضم المواجهة العنيفة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يتكشف مشهد سياسي معقد يحمل الكثير من الدلالات. فإيران تدرك جيداً أن ميزان القوة العسكري ليس في صالحها، وأن المواجهة المباشرة المفتوحة قد تكون مكلفة إلى حد كبير. لكنها في المقابل لا تدخل الصراع بعقلية الاندفاع، بل بعقلية إدارة الأزمة ومحاولة تغيير قواعد اللعبة.
تدرك طهران أن الحرب لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل يمكن نقلها إلى ساحات أخرى أكثر حساسية للعالم. لذلك تحاول أن تلعب بورقة الاقتصاد العالمي، وهي ورقة شديدة التأثير في زمن يعتمد فيه العالم على استقرار الطاقة والأسواق. ومن هنا يأتي التلويح بمضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم.
إن مجرد الحديث عن احتمال إغلاق المضيق أو تعطيل حركة النفط كفيل بإثارة القلق في الأسواق العالمية، ورفع أسعار الطاقة، ودفع الاقتصاد الدولي نحو موجات تضخم جديدة. وهذه ليست مجرد خطوة عسكرية، بل هي رسالة سياسية واقتصادية موجهة إلى العالم كله: أن استمرار الحرب لن يبقى محصوراً في حدود الجغرافيا، بل سيمتد أثره إلى جيوب الدول الكبرى واقتصاداتها.
بهذا الأسلوب تحاول إيران أن تحول الصراع من مواجهة إقليمية إلى قضية عالمية تمس مصالح الجميع. وهي بذلك تضع القوى الدولية أمام معادلة صعبة: إما احتواء الحرب ووقف التصعيد، أو مواجهة اضطرابات اقتصادية قد تطال الجميع.
قد يختلف كثيرون مع سياسات إيران أو مواقفها، لكن من زاوية إدارة الصراع لا يمكن إنكار أن هناك عقلاً سياسياً يحاول استخدام ما لديه من أوراق في مواجهة خصم أقوى عسكرياً. إنها معركة "إدارة الأزمة"، حيث يصبح التفكير الاستراتيجي أحياناً أهم من حجم القوة العسكرية نفسها. بالنسبة لإيران، يبدو الأمر وكأنه معركة وجود: إما أن تنجح في خلط الأوراق وفرض معادلة جديدة، أو تواجه مخاطر قد تكون مصيرية.
لكن المفارقة الأكبر في هذا المشهد لا تتعلق بإيران وحدها، بل بما هو أبعد من ذلك. فبينما تدور هذه المواجهة الكبرى في قلب منطقة الشرق الأوسط، يبدو العالم العربي في حالة غياب شبه كامل عن معادلة التأثير.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف أصبحت الحروب في المنطقة تُخاض بين قوى غير عربية، بينما القضية التاريخية الكبرى في المنطقة هي في الأصل قضية عربية؟
إسرائيل ما زالت تحتل أرضاً عربية في فلسطين، كما احتلت الجولان لسنوات طويلة، وكانت سيناء ولبنان ساحات لصراعاتها وحروبها. وبمنطق التاريخ والجغرافيا كان يفترض أن يكون الصراع المركزي في المنطقة صراعاً عربياً مع الاحتلال. لكن الواقع اليوم يكشف مشهداً مختلفاً، حيث تحولت المنطقة إلى ساحة تتصارع فيها قوى متعددة، بينما يقف العرب في كثير من الأحيان على هامش الأحداث.
تفرّق سياسي، وخلافات داخلية، وتباين في المصالح والرؤى… كلها عوامل جعلت العالم العربي يبدو وكأنه خارج معادلة التأثير الحقيقي في صراعات من المفترض أن تمس أمنه ومستقبله بشكل مباشر.
وهنا تكمن خطورة اللحظة. فالتاريخ يعلّمنا أن الفراغ في السياسة لا يبقى طويلاً، بل تملؤه قوى أخرى. وعندما تغيب الإرادة المشتركة والاستعداد الاستراتيجي، تصبح المنطقة ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
ربما تكون الحرب الحالية محطة عابرة في تاريخ طويل من الصراعات، وربما تنتهي بتفاهمات أو بتوازنات جديدة. لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: أين يقف العرب في معادلة القوة؟ وهل سيبقون مجرد متفرجين على صراعات الآخرين في منطقتهم؟
إن العالم لا يحسب حساب الضعفاء، ولا يحترم إلا من يملك القدرة على الدفاع عن مصالحه. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة ليس الحرب نفسها، بل الغياب عن إدارة مستقبلها.
وفي النهاية، قد تنجح إيران في استخدام أوراقها لوقف الحرب أو لتخفيف ضغوطها، وقد تتغير موازين الصراع مع مرور الوقت. لكن الدرس الأهم في كل ما يجري هو أن إدارة الصراعات تحتاج إلى رؤية وإرادة واستعداد.
أما الأمم التي تبقى منقسمة ومشتتة، فإنها غالباً ما تجد نفسها خارج اللعبة… حتى لو كانت أرضها هي ساحة تلك اللعبة.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

رئيسة المفوضية الأوروبية ترحب باتفاق لبنان وإسرائيل

نص الاتفاق الإطاري اللبناني الإسرائيلي

الأردن يرحب بالاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة

التغير المناخي: الإدارة التشاركية لمياه الري ركيزة لتعزيز الأمن المائي بالأردن

جاهة كريمة من بيت يافا إلى دوقرا لخطوبة فارس بني عواد

الأردن يؤكد تضامنه مع البحرين ويدين الاعتداءات الإيرانية على أراضيها

البيت الأردني يواصل فعالياته الترويجية والثقافية ويستقبل الالاف من الجالية الاردنية والزوار الاجانب

الترخيص المتنقل المسائي للمركبات في برقش الأحد

وفاة أردني إثر زلزال فنزويلا وزوجته لا تزال في عداد المفقودين

الروسان: سنستمتع بمواجهة الأرجنتين ونظهر بأفضل صورة

علوان: سنكون عند حسن ظن الجميع أمام الأرجنتين

اللقاء من أجل الأردن وليس من أجل الصور

التراث العمراني .. شريك الآثار في حفظ الذاكرة الوطنية

11 حافلة تنقل مشجعي النشامى من عجلون لجرش الأثرية

القبض على مغني مهرجانات مصري شهير بتهمة خطيرة .. صورة

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

وفاة 40 شخصا غرقا في فرنسا خلال موجة الحر

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

الأردن يتخذ جميع الإجراءات لتسهيل عبور الفلسطينيين عبر جسر الملك حسين

الأمن العام: إصابتان بحريق مبنى مكون من 4 طوابق بالعاصمة