رجل أحب الأردنّ حدّ الموت !
13-05-2014 01:27 PM
في مثل هذا اليوم الثالث عشر من شهر أيار قبل اثنين وثلاثين عاما غادر الدنيا عبد الفتاح مفضي الفلاح الخريسات عن عمر لم يناهز تسعة وأربعين عاما، غادرها وهو يقول: إن مت ولم أعد إلى وطني (الأردن) ومدينتي (السلط) فسأموت وفي قلبي حسرة، والحسرة الحقيقية هي في قلوبنا نحن إلى اليوم، لأننا فقدنا رجلا شهد له كل من عرفه بأنه رجل أحب الأردن والسلط حدّ الموت.
عندما أراد عبد الفتاح أن يقدم امتحان المترك في أوائل الخمسينات استثنى بعض المواد لعدم قدرته على دفع رسومها، وباعت "حمدة" والدته (لجن) الغسيل كي تكمل له رسوم باقي المواد ولكن ثمنه لم يكف، فتبرع جاره الشهم الكريم من "آل قموه" بما تبقى من ثمن الرسوم.
وعلى الرغم من ظروفه القاسية تمكن عبد الفتاح من تحقيق مركز متقدم في ترتيب الأوائل على محافظة البلقاء والأردن كله، وسلبت منه البعثة الأولى لأبناء الذوات الأقل منه معدلا والذين كانوا يتلقون منه دروسا خصوصية لشدة ذكائه، وكذلك البعثة الثانية على نفس المنوال، وذهب المرضعات بأبناء الأغنياء ولم يبق للفقراء سوى الفتات.
واجتمع ذوو القربى للبحث في أمر هذا اليتيم الفقير الذكي المجتهد ليعلموه، فتبرع أحدهم بنصف دينار شهريا، وآخر بدينار، وثالث بكذا، ونظروا إلى أشدهم قربا منه والذي تنصل من واجبه البتة! فانصرف القوم غير راشدين.
ولم ييأس عبد الفتاح رغم ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة، ورغم الظلم الطبقي والفساد الحكومي في توزيع البعثات، واغتنم فرصة سانحة للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث التقى هناك بطارق حنا عزيز – رئيس الوزراء ووزير الخارجية العراقي الأسبق المحكوم حاليا بالإعدام- واستطاع عبد الفتاح التأثير عليه وتنظيمه في حزب البعث، حيث كان عبد الفتاح من أبرز البعثيين وأذكاهم وأقواهم شخصية وتأثيرا.
ولم يطل المقام بعبد الفتاح كثيرا في بيروت، فقد لعبت السياسة في سوريا وتقلباتها وانقلاباتها دورا في حرمانه من إكمال دراسته الجامعية، وعاد إلى مدرسة السلط الثانوية مدرسا للرياضيات لصفوف التوجيهي وهو أقل منهم درجة دراسية (المترك)، ولكنه لشدة ذكائه كان يفوق أقرانه وأساتذته ومن هم أعلى منه درجة علمية أو درجات.
وهنا حدث تحول عميق في فكر عبد الفتاح خريسات، حيث اقتنع بالفكرة الإسلامية والتزم بحزب التحرير الإسلامي وتدرج إلى أن بات من قياداته الفكرية المخلصة والمتفانية، وقد ذكر السيد عدنان أبو عودة في حديث صحفي له قبل سنوات في جريدة الرأي أنه كان مسؤولا حزبيا عنه في السلط، قبل أن يتحول الأخير إلى الشيوعية ثم إلى جهاز المخابرات ثم ليغدو رئيسا للديوان الملكي ووزيرا للإعلام، كما وصحب في تلك الفترة السيد مروان القاسم الذي أصبح فيما بعد أيضا رئيسا للديوان الملكي ووزيرا للخارجية.
وحدثني المهندس عبد الله حداد أنه قدم مع أصدقائه قي حافلة من حوارة في إربد إلى السلط في تلك الفترة من أواسط الخمسينات ليشاهدوا ذلك الشاب الأعجوبة الذي تحول من البعثية إلى التحريرية، الأمر الذي كان يعد حينها من المستحيلات في زمن المد القومي والناصري.
ولم تنته محاولات عبد الفتاح لإكمال دراسته الجامعية، فخرج يوما إلى يوغوسلافيا تاركا زوجته وابنه الرضيع البكر دون علمهما ولا علم أحد، ولم تمكنه ظروفه المادية من استئناف حلمه العلمي هناك فعاد مجبرا.
وانتقل عبد الفتاح إلى عمّان ليدرس في الكلية العلمية الإسلامية، ولم يحتمل يوما "دلع" أحد الطلاب من أبناء الذوات والمناصب العليا، فوبخه قائلا: اذهب و"تدلع" عند أبيك هناك! لتكون هذه الكلمة سببا في هجرته بدينه ومبادئه وكرامته وشموخه إلى بلاد الاغتراب.
حتى في بلاد الاغتراب لم ينس حلمه وهدفه، فتقدم لامتحان الثانوية العامة ليكون بالطبع من الأوائل، وحاول الدراسة بالانتساب إلى جامعة بيروت العربية في الإسكندرية، وقطع أشواطا قطعها بعد ذلك استغراقه في العمل بوظيفتين حتى ساعة متأخرة من الليل، ليطعم أفواها ويعيل عيالا ويقيت أسرة.
وهناك ظل عبد الفتاح قابضا على الجمر، يحن إلى يوم تشرق فيه شمس الخلافة الإسلامية على العالم، فيتمكن من العودة إلى الأردن التي أحبها حد الموت، وإلى السلط التي عشقها حد الجنون، كان يحب السلط وذكرياتها وأهلها وترابها وماءها وكرومها وتينها، كان وفيا لها بشكل لم أعهده في إنسان قط، حتى إنه كان يشتم رائحة أي أردني أو سلطي يسمع عنه ولو على بعد مئات الكيلومترات، فيسافر إليه ويصله ويدعوه ويولم له ويزوره ويداوم على زيارته، واستمر غيابه عن السلط والأردن في إحدى الفترات السياسية القاسية ما يزيد عن عشر سنوات متتاليات، ولا تسل عن يوم اللقاء بعدها!
في زيارته تلك، صلى الجمعة في مسجد السلط الكبير، وعاد إلى بيت أهله في واد الأكراد، ونظر في وجوه العشرات من الناس، يقول لي: عرفتهم جميعا، ولكن لم يعرفني منهم أحد، ولم يقل لي أحد كلمة: مرحبا!
بعد وفاته بسنوات، أفشى لي السر أحد أقرب الناس إليه، أنه كان حولهم في بلاد الغربة مئات الشباب، وكلفوا ذات يوم بمهمة خطيرة نتيجتها إن فشلت الإعدام لا غير، وقد أخبروا جميعا بالأمر وخيّروا، يقول: فانصرف المئات عنا جميعا، ولم يبق سواي وسوى عبد الفتاح.
رغم أن الكثير من أصحاب عبد الفتاح في الأردن والعراق تنسموا أرفع المناصب والدرجات ونالوا أعلى الشهادات وعاشوا في ظلال القصور، إلا أن عبد الفتاح عاش غريبا، ومات غريبا، عاش فقيرا، ومات فقيرا، مات وفي قلبه حسرة، لأنه لما عاد ليستقر في وطنه الأردن ومدينته السلط عاد محمولا على الأعناق ،، إنه رجل أحب الأردن حدّ الموت.
في بيت الزعيم… استعادة لزمن الكرامة والصمود والتضامن
أمن دولة الاحتلال: هوية يهودية أسبق من «الديمقراطية»
أنشطة تنموية وتوعوية في عدد من المحافظات
قرعة الجرين كارد 2027 .. أمر قضائي بفتح التسجيل ومواعيد معدّلة تنتظر التنفيذ
ارتفاع معدل التضخم في روسيا إلى 7.2 بالمئة
التحول الرقمي في القطاع الصحي الأردني
"أم القنابل" في إيران .. دمار واسع وتحديات في اختراق الأعماق
المعارضة الصومالية تحذر من نزاع أهلي بسبب مواعيد الانتخابات
قطاف الزيتون في لبنان والضفة .. صمود مزارعين في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية
بلدية السلط تنفذ أعمال تخطيط ودهان للشوارع في وسط المدينة
تخريج المشاركين في دبلوم تقييم الأثر البيئي بجمعية البيئة
تربية البادية الشمالية الشرقية تطلق الموسم الـ11 لتحدي القراءة العربي
"كاللؤلؤ المكنون" … حين تُطمس الهوية المركزية باسم الإجراءات
قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي
الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع
خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة
عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر
100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل
إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟
الدجاج الصيني في الأردن .. ما القصة؟
اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل
التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش
لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات
المملكة على موعد مع تقلبات جوية .. أمطار وغبار وتغيرات بالحرارة
أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن
مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟
زيادة الـ30 دينارا في الأردن .. هل يحرمك راتبك من الاستفادة؟
