دروس العزة من مدرسة غزة

mainThumb

05-08-2014 02:05 PM

كثيرة هي تلك الدروس التي من الممكن أن يستفيد منها القارئ والمشاهد لأحداث غزة الملتهبة والمأساوية بل والكارثية. ولقد حاولت أن أختصر تلك الدروس والعبر في مجموعة من السطور وهي من الكثرة ما لا يمكن حصره في مقال واحد أو مقالين.
وخلافا لكل قواعد الدين الاسلامي ومبادئ جامعة الدول العربية والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان وكل القوانين الدولية المنظمة لكوارث الحروب وأهوالها وخلافا لكل التشريعات التي نصت عليها الكتب السماوية أو القوانين الوضعية.. حدث في غزة ما لا يخطر على بال بشر. فالعدو الصهيوني لم يتورع أبدا عن قصف مقرات الإيواء للنازحين وهي مدارس تابعة للأنروا، وقصف المساجد والمستشفيات ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، وهدم المنازل على رؤوس قاطنيها ودمر سيارات الإسعاف وقتل العديد من الصحفيين والمراسلين التابعين لوكالات الأنباء العالمية، وتأتي جريمة قتل الأطفال والنساء وتمزيقهم شر ممزق في مقدمة جرائم العدو الصهيوني ضد الإنسانية والمدنيين العُزّل من السلاح.


نعم لقد تم خرق كل القواعد من قبل إسرائيل الدولة المنبوذة والتي زُرعت على أرض فلسطين السليبة وعلى أشلاء شهداء الشعب الفلسطيني البطل الذي قدم ولا زال وسيستمر في بذل الغالي والنفيس من أجل تحرير وطنه السليب من أدران بني صهيون.
ومن أهم الدروس والعبر أن القوة العسكرية لن تكون سببا في الهزيمة بل وعلى العكس فلقد أثبت المقاومون في غزة العزة بطولات قل نظيرها وضربوا المثل الأعلى في الشجاعة والمقاومة الباسلة دفاعا عن أرضهم وأوقعوا الإصابات الجسيمة في جنود وآليات العدو الغاصب ما لم يحدث في كل الحروب العربية منذ 66 عاما.


ولقد أثبتت الحرب الجهنمية تلك عن تضعضع الموقف العربي بل وتفككه وانهيار منظومة الجامعة العربية التي كان من المفروض أن يكون لها دور واضح في منع العدوان الإسرائيلي فصمتت ونأت بجانب الطريق لا تلوي على شيء وغاب أمينها العام تماما عن الساحة الإعلامية والسياسية.
وثبت أيضا بما لا يدع مجالا للشك أن العدو الإسرائيلي لا يفهم سوى القوة والقوة فقط ولا غيرها. فهذا العدو لا يلتزم بعهد ولا عقد أو اتفاق، ويا سبحان الله كأن ذلك في دمهم وليس أصدق من الله سبحانه وتعالى في وصفهم حين قال: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} البقرة (100)، فهذا عهدهم وهذا ديدنهم ولا يتغيروا عنه أبدا إلا بالقوة.


أكدت هذه الحرب فعلا أن الحرب والقتال على الأرض يلزمه جهد دبلوماسي وسياسي مواز له في الاتجاه ومساو له في المقدار. ذلك أن الجهود الدبلوماسية على جميع الصعد ستساعد على تكوين لوبي للضغط على العدو وإجباره على التراجع والتوقف الفوري. ولكن ما حدث هو العكس فلقد كان الموقف السياسي العربي برمته شاملا السلطة الفلسطينية ضعيفا وهشا وليس له أثر على الساحة الدولية، فصالت إسرائيل وجالت بين أروقة المؤسسات الدولية ووزارات خارجياتها وحصلت على الأضواء الخضر للاستمرار في ذبح وقتل الشعب الفلسطيني في أكبر جريمة عرفتها البشرية في العصر الحديث، وتحت سمع وبصر المجتمع الدولي والعربي وبدون أن يحركوا ساكن أو أن يجبروا هذا الكيان على التوقف.


أظهرت هذه الحرب أيضا في واحد من دروسها العجيبة؛ طبقة جديدة من العرب الشامتين والداعمين بكل صلافة للعدو الإسرائيلي، فأسقطوا أقنعتهم التي كانوا يرتدونها طوال سنوات لتنكشف حقيقتهم البشعة ولتنطق ألسنتهم كفرا وظلما ومساندة لا نظير لها للعدو الصهيوني. هذه الفئة الضالة المضلة شوهت الحقائق وكذبت ثم كذبت وصدقت كذبها وبدلا من أن يكونوا عونا لأخوتهم أو حتى أن يلتزموا بالصمت المريب؛ تفوهوا بما لم يقله بني صهيون وتشفوا وفرحوا بما يحدث لأهل غزة، كل ذلك وأكثر.
ومن ضمن أهم العبر التي برزت أن القنوات الفضائية والإعلام بكل أنواعه المرئي والمقروء والمسموع له دور كبير في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب أو في تشويه الحقائق. فإسرائيل استعملت امبراطوريتها الإعلامية الضخمة في الترويج لنظريتها في الدفاع عن نفسها ضد الحقد العربي ورغبتهم في قتل أبنائها وترويع الآمنيين فيها، بينما عجزت ولا زالت المنظومات العربية الإعلامية عن مضاهاة العدو ومجاراته إلا بالقدر اليسير، وذلك من خلال بعض الأدوار المتواضعة التي تقوم بها بعض المحطات العربية والناطقة باللغة الإنجليزية. في حين استطاعت المقاومة الفلسطينية الباسلة ولأول مرة أن تستعمل وبكل نجاح الإعلام في تفنيد أباطيل وإدعاءات العدو الصهيوني واستعملت المقاومة هذا السلاح في بث صور حية لمعاركها التي أسفرت عن سقوط العديد من جنود العدو بين قتيل وجريح وأسقطت للأبد النظرية الوهمية التي وضعتها إسرائيل بأن جيشها لا يقهر. كما استطاعت المقاومة أن تسجل وبكل دقة حجم الدمار والمجازر المتتالية التي تقوم بها إسرائيل لتبثها للعالم الحر (إن كان هنالك من عالم حر أصلا).


وللأسف الشديد فلقد زادت الفجوة اتساعا وعمقا ما بين رجل الشارع ورجال الدين الذين لاذوا بالصمت وتستروا بغطاء الضعف والهوان عندما لم نسمع دعواتهم للجهاد والحث على التبرع من أجل غزة مثلما فعلوا في بلاد عربية أخرى منكوبة. هذه السقطة شملت كل المؤسسات والمنظمات والتجمعات الدينية والإسلامية على المستويين العربي والعالمي وبلا أي استثناء.


هذا غيض من فيض الدروس التي تعلمتها وما لي إلا أن أذكّر بحديث سيد الخلق (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). فأين نحن من هذا الحديث فلقد سقطت الحروف من الكلمات وتداعت جدران الصمت الكئيب وتلاشت غمامة الحرب لتكشف عن مجازر عديدة بحق أهلنا في خزاعة وبيت حانون ورفح والشجاعية.


z_alweher@hotmail.com