العربُ هم خبراءُ الحروب

العربُ هم خبراءُ الحروب

09-09-2015 02:55 PM

قبل مدَّةٍ تَعَرَّضْتُ لبيتِ شعرٍ قالتْهُ الخنساء في رثاء أخيها صخر ، والبيتُ يدور على أمرين : الأول ( أنه صاحبُ غارات على العدو ) ، والثاني : ( أنه صاحب كرمٍ وجود ) ، وقد وضعتُ هذا البيت على صفحتي على ( الفيس بوك ) وطلبتُ من أصدقائي أن يُدْلُوا بدلوهم في تفسير هذا البيت الذي قالتْهُ الخنساء :
 
يُذَكّرُني طُلُوعُ الشمسِ صَخراً
.....  وأذكرُهُ لكلّ غُروبِ شَمْسِ .

فكان أصدقائي ممن أجاد في الشرح – وخاصة – الدكتور علاء أبو زيد ، وهو دكتوراة في الكيمياء إلا أنه من محبي العربية ، ومن أنصارها ، فجزاه اللهُ كلَّ خير .

فأحببتُ أن أُشير إلى مقصود الخنساء مع ذكرِ بعض الأدلة الخارجية التي تقوي مقصودَها في المدح والثناء على أخيها صخر .

نعلم أن العرب تعلموا فنون الحرب فطرةً وسليقةً لما للبيئة من تأثيرٍ على حياتهم ، فهم قبل الاسلام أهلُ غزوٍ وسلبٍ وغارات ، وهذا يذكرنا بقول الصحابي الجليل عدي بن حاتم الطائي عندما بشَّره الرسول – صلى الله عليه وسلم - :

(بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل فقال يا عدي هل رأيت الحيرة قلت لم أرها وقد أنبئت عنها قال فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد ... ) .

فانظر الى قول عدي بن حاتم : ( فأين دُعَّار طيء الذين قد سَعَّروا البلاد ) ! الدعار جمع داعر وهو بمهملتين وهو الشاطر الخبيث المفسد ، وأصله عود داعر إذا كان كثير الدخان قال الجواليقي : والعامة تقوله بالذال المعجمة فكأنهم ذهبوا به إلى معنى الفزع والمعروف الأول والمراد قطاع الطريق .

 وطيئ قبيلة مشهورة ، منها عدي بن حاتم المذكور ، وبلادهم ما بين العراق والحجاز ، وكانوا يقطعون الطريق على من مر عليهم بغير جواز ، ولذلك تعجب عدي كيف تمر المرأة عليهم وهي غير خائفة .

قد سعروا البلاد ) أي أوقدوا نار الفتنة ، أي ملئوا الأرض شرا وفسادا ، وهو مستعار من استعار النار وهو توقدها .

هذه هي العربُ قبل الاسلام ؛ قاتلٌ أو مقتول ، سالبٌ أو مسلوب ...
 
فمن هذه الأجواء اكتسب العربي فنونَ الحرب لم يتلقَّها في جامعة أو كلية حربية بل حياتُهُ كلها كليةٌ حربية من الطِّراز الأوَّلِ .

ومن هذه الفنون الحربية الغارةُ وقت الصباح ، ففي هذا الوقت يكون المُغارُ عليهم على غير استعداد سواءً نفسياً أو مادِّيَّا ، فإن المغيرَ في الوقت يجد حاجتَه على أكمل وجهٍ .

فلذلك تجد أن أعداء الله يهود أخذوا هذا الفن عن العرب فلا يُغيرون بطائراتهم على أهلنا في غزة إلا وقت الصباح .

وقال تعالى : ( فساء صباحُ المُنْذَرين ) .

وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يومَ خيبر : ( خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) .

فالصباحُ مرتبطٌ بوقت الغارة عند العرب للأسباب التي ذكرناها آنفا ، وقد ذكر الله - عزَّوجل – ذلك عند ذكر الخيل : ( فالمغيرات صُبْحا ) ، فوقتُ غارة الخيل عند العرب وقت الصباح .

فرثاء الخنساء لأخيها صخر ، جاء أنَّه صاحبُ غارة وقت الصباح أو أنه يدفعُ غارات الأعداء عليهم وقت الصباح ، أما وقت غروب الشمس فهو وقت طروق الأضياف ، فهو نَحَّارٌ الكوماءَ لهم ومشعلُ النيران تحت القدور .

قال الربيعُ بن زيادالعبسي يرثي مالكا :

مَنْ كان مسرورا بمقتلِ مالكٍ
..... فَلْيَأَتِ نسوتَنا بوجهِ نَهارِ

يَجِدِ النساءَ حواسرا يَنْدُبْنَهُ
..... قد قُمْنَ قبل تَبَلُّجِ الأسحار .

قال بعضُ الشُّراح : ( يعني يندبنه في ذلك الوقت ؛ وإنما خصَّه بالندبة ؛ لأنه وقتُ الغارةِ . يقولُ : فهنَّ يذكُرْنَهُ حينئذٍ لأنه من الأوقات التي ينهضُ فيها للحربِ والغارات ، قال تعالى :  فالمغيرات صبحا  ، وأما قولُ الخنساء :
 
يذكِّرني طلوعُ الشمس صخرا
..... وأذكرُه لكل غروب شمسِ .

فإنما ذكرتْه عند طلوع الشمس للغارة ، وعند غروبها للضيف ) .

ومن الأشياء التي تنقدحُ في خَلَدي ساعةَ هذه الكتابة ؛ أن التذكير في بيت الخنساء جاء على شكلين :

الأول : طلوعُ الشمس هو الذي يذكِّرُها صخرا أخاها فجاء ( يذكِّرُني ) ؛ لأن هذا الوقت يكون الانسان  فيه بقايا الوسنِ والنعاس ، فالذي يذكره شيءٌ خارجي .

والثاني : أنها هي التي تتذكر بنفسها عند غروب الشمس فجاء الفعل ( أذكره ) لأن الانسان يكون هو المتذكر !

ولهذا اختارت العرب هذا الوقت للغارة ، لأن الاستعداد والحيطة من قبل المغار عليهم تكون شِبْهَ معدومة !

قال امرؤالقيس :

ألا عِمْ صباحاً أيُّها الطللُ البالي
..... وهل يعمن من كان في العصر الخالي .

وقال عنترة :

يَا دَارَ عَبْلـةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمِـي
.....  وَعِمِّي صَبَاحاً دَارَ عبْلةَ واسلَمِي .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

استقرار أسعار الذهب في السوق المحلية الأحد

2.13% معدل التضخم في الأردن منذ بداية العام وحتى تموز

ميسي يهدر ركلة جزاء جديدة في خسارة قاسية لميامي بالدوري الأميركي

البلقاء التطبيقية: %72.9 نسبة النجاح في الشامل للدورة الصيفية والأخيرة

توقيع مذكرة تفاهم بين تجارة الأردن واتحاد الغرف الباكستانية

إدارة السير تعزز الانتشار المروري حول مواقع إعلان نتائج الشامل

الضمان الاجتماعي يطلق حملة للتحقق من شمول عاملي شركات الأمن والحماية

مجلس إدارة صندوق حماية البيئة يقر دعم مشاريع بيئية وتنموية

لهاشمية تختتم احتفالاتها بتخريج الفوج الثامن والعشرين

تدهور وانقلاب صهريج محمل بالغاز على الصحراوي

البنك الدولي: مليون مستفيد من الخدمات الصحية الرقمية بالأردن

إنتاج تحتفل بمرور 25 عاماً وتطلق منتدى REACH في العقبة

العراق يسترد 20 مليون دولار و60 كغم ذهب في قضية فساد

الهيئات التدريسية تباشر دوامها استعدادًا للعام الدراسي الجديد

جيش الاحتلال يعلن مقتل قيادي في وحدة بدر جنوب لبنان

منع مواطن من السلام على العيسوي .. وما فعله رئيس الديوان يشعل التفاعل

نتائج التوجيهي 2026 في الأردن اليوم .. رابط الاستعلام الرسمي

بعد تصدر الترند .. رحلة لجين خليفة من الطب الى الرقص

أسعار الذهب ترتفع في الأردن الأربعاء

الحيصة: أراضي مشروع سكة العقبة ستسجل باسم خزينة الدولة

الأمن السيبراني يحذر من رسائل واتساب احتيالية باسم الضمان الاجتماعي

شهادات تناثرت وحفل أُلغي .. ماذا جرى في تخريج كلية عجلون؟ ـ فيديو

جريمة مروعة في الكويت تدور حول أردني وابنه .. ما القصة

في آب اللهاب .. الأردنيون على موعد مع أمطار غير اعتيادية

مقتل مدنيين وعسكرين بهجمات للحوثيين في اليمن

أردني اصطحب والدته لبرنامج زواج دون علمها وما حدث بعدها أشعل الغضب

صدو قوائم تنقلات داخلية لمعلمين ومعلمات .. أسماء

بدأت بأجرة تصليح وانتهت بمنشار كهربائي .. تفاصيل مشاجرة القويسمة

سلاح الجو يفتح باب التجنيد .. التفاصيل والشروط

بعد منتصف الليل انظروا إلى السماء .. مشهد فلكي لافت فوق الأردن