التطرف واقع وأسباب

 التطرف واقع وأسباب

18-08-2016 12:05 PM

التطرف والغلو موجودان على هذه الأرض ، منذ بدء الخليقة وتحديدا خلق الإنسان  ،  لأن الإنسان  هو المخلوق الوحيد الذي يدرك معنى الظلم  والتحولات والمستجدات  على الأرض ، رغم ان الحيوان هو الآخر ينفعل حين يحس بالظلم  ، فيرفس الحمار  ، ويثور الجمل وينتقم ممن يضربه ولو بعد أربعين عام ، ومع ذلك  أستطيع القول أن التطرف   منوط بالإنسان فقط ، وهو من  يدخل فيه  ويطوره كيف يشاء بحسب طريقة تفكيره .
 
وهناك نوع آخر  أشد تاثيرا من التطرف وهو الغلو في التصرفات  وردة الفعل  وحتى في العبادات ، لذلك نرى أن هناك بعض المتدينين  قد فهموا الدين بصورة مغلوطة  لجهلهم وعدم وجود من يفقههم في أصول دينهم ، وهذا ما أضفى على العبادات  لونا بعيدا عن الواقعية ، لأن ديننا الإسلامي الحنيف هو دين الوسطية .
 
هناك أيضا ظاهرة أخرى  من ضمن عائلة الشذود الفكري ،  بأشكاله الناجمة عن قصور التفكير والإدراك العقلي ، وهي ظاهرة التشدد ، وهي في معناها العام لا تختلف عن التطرف والعلو كثيرا  ، لكنها  تؤدي إلى أفعال غير  مقبولة  ،وتمحق كل ما هو إيجابي في المجتمع ، وما نراه من  تطرف  وغلو وتشدد ، إنما هو نتاج فكر غبي مستورد ، ولا أعني بالمستورد ما ياتينا من الخارج ، بل هو ذلك الفعل الناتج عن قصور تفكيرنا .
 
ومع كل ما تقدم هناك تطرف وتغول وتشدد ،جراء فعل خارجي ، وأعني هنا بالخارج  ما هو خارج إطار الإنسان ذاته ، بمعنى أن السبب في ذلك هو تأثيرات وممارسات   تنعكس سلبا على تفكير الفرد ،وتجبره على  سلوك درب غير قويم  دون النظر إلى عواقب الأمور ، ومن هنا تبدأ حلقات الخلل تتسع شيئا فشيئا في المجتمع ، ويحدث التصادم  بين الأطراف ذات الشأن  ،ويدفع المجتمع الثمن ، لأن  المتطرفين والمغالين والمتشددين هم من أبنائه ،ولم يهبطوا عليه  من دنيا أخرى.
 
كثيرة هي أسباب التطرف والغلو والتشدد ، وأهمها  الجوع والفقر والظلم والتهميش والإقصاء 
 
والتجهيل ، وقال الخليفة علي بن أبي طالب  كرم الله وجهه :لو كان الفقر رجلا لقتلته ! وقالوا أن الظلم مرتعه وخيم! وقال تعالى في محكم كتابه العزيز : وأطعمهم من جوع  وآمنهم من خوف ! ولا ننسى مقولة مبعوث فارس إلى الخليفة الفاروق عمر  رضي الله عنه ، عندما رآه  نائما في صحن الحرم: عدلت فأمنت فنمت!
 
الغريب في الأمر أن كل هذه  المظاهر الدخيلة علينا  موجودة في مجتمعاتنا الإسلامية  ، وأن هناك أيضا من  يضخ  روح التطرف فينا من خلال الإيعاز لصناع القرار أو من في حكمهم  بالتضييق على مجتمعاتهم  وحرمانهم من أبسط حقوقهم ، وإظهار أكبر قدر من الضغط  على  المجتمع ، وعدم إجراء أي إصلاحات تذكر  ،رغم أن الغرب المتخلف الجاهل في عصوره الوسطى ، قد نهض من تحت ركام التخلف والجهل  ، وإنطلق ناهضا  ، ووصل مرحلة  تتيح له تسجيل مواقف مشرفة من حيث معاملة  أهله  ، حتى أن العربي وغيره ممن  يهاجرون إلى الغرب يشعرون بالكرامة  هناك.
 
من يشعر بالتهميش والظلم والإقصاء والإبعاد ، يصل إلى نتيجة مفادها أنه مطعون في كرامته  ،ومن  يصل إلى هذا الشعور  ، يصاب بعمى في القلب والعقل معا ، وينحى  منحنى  مختلفا  لا أحد يضمن نتائجه ، وها نحن  ندخل مسرعين في هذا النفق .
يعد الإحتلال  وإنتهاك حقوق الإنسان عوامل  قوية  للتطرف والتشدد والغلو ، لأن في ذلك شعورا بالمهانة والعجز والتقصير  ،وخاصة إذا  كان الإحتلال الذي نتحدث عنه هو الإحتلال الإحلالي الإسرائيلي لفلسطين ، وشراكة واضحة مهينة من قبل الإقليم مع هذا الإحتلال  ،إلى درجة أن البعض ينسق معه أمنيا  ،ويمثل إحتلالا من نوع آخر لشعبه.
 
   وإستنادا إلى كل ما تقدم ، وإن كنا  نرغب حقا في تطهير مجتمعاتنا  من التطرف والغلو والتشدد ،فإننا مطالبون  بصياغة عقد إجتماعي جديد بين الدولة  والمجتمع ، لنصل معا إلى ضمان هيبة الدولة وحقوق المجتمع ، لأنه لا دولة بدون مجتمع ولا مجتمعا بدون دولة ، ولنا في  مقدمة إبن خلدون  ، وما ورد في كتاب الله وسنة نبيه  ووصايا الأنبياء الآخرين خير دليل  ،لخلق مجتمع مدني وليس مجتمعا  دينيا ، فالرسول  صلى الله عليه وسلم لم يؤسس دولة دينية في المدينة المنورة   ،بل أرسى أسس دولة مدنية  تحفظ حقوق  حتى غير المسلمين.
 
التطرف والغلو والتشدد آفة  كريهة ، وهي بذرة غير صالحة ، ولا تنتج إلا الخراب والدمار ، وأعني بذلك أن تشدد الدول في مواقفها  وغلوها وتطرفها في معاملة  أفراد المجتمع الذين ليسوا على هواها ، إنما يساوي تطرف وغلو وتشدد البعض الجاهل أو صاحب طريقة التفكير الملتوية وكلا الطرفين مدان ، ولو أن النظام السوري إستجاب لرغبات شعبه منذ أحداث مدرسة درعا ، لما وصلت سوريا إلى ما هي عليه اليوم.
 
هناك تطرف وغلو وتشدد  أخطر مما تحدثنا عنه ، وهو ما يمارسة  أصحاب النفوذ الذين يشعرون بالظلم   في مستواهم ، والأثرياء الذين  يمولون  التطرف  لأسباب عديدة ،وهذه الفئة غالبا ما تكون غير مرئية لكن تاثيرها قوي .
 
الفقراء والشباب هم الفئات الكثر  إنغماسا في التطرف والغلو والتشدد  ،مسلحين بحرمانهم  وما  يعانون في مجتمعهم من ظلم وتهميش  وإقصاء وحرمان بسبب سياسات الدولة ، التي يفترض فيها  أن تعامل كافة أفراد المجتمع معاملة  تليق بالمواطن ، لا أن تنظر إليهم كرعايا مهمتهم التسحيج والتسحيج فقط، وأخطر ما في الموضوع أن  شيوخ التطرف والغلو والتشدد ،يخترقون عقول أبنائنا من الشباب بسؤالهم :هل تقبلون  العيش بذل ؟ وهل تقبلون  ضياع الأقصى ؟ ويؤكدون لهم  أن تحركهم الرافض للواقع  سينعكس عليهم إيجابا في الآخرة  ،لأن  سبعين حورية  تنتظر الشهيد في الجنة.
 
هنا يفعل إبليس فعلته ، إذ أن الشاب العربي  المكبوت جنسيا  لعجزه عن الزواج ، بسب قلة ذات اليد وإرتفاع المهور وتكاليف الزواج ، يعيش اللحظة المتخيلة  ويحث الخطى العقلية   لولوج باب الجنة  والتمتع  بالحوريات السبعين ،   بعد أن يبحث عن الموضوع في الإنترنت ويتأكد من ذلك.
 
ما أود الوصول إليه أننا في حال أردنا  وأعني بذلك الدول ،فإننا نستطيع كبح جماح التطرف والغلو والتشدد ، من خلال  الحكم بما أمر الله ، وتحقيق المواطنة الحقة ، ومنح مجتمعاتنا  صفة الإنسانية   وخلع عنها  صفات العبيد ، عندها لن تجد دولة منهكة مهددة ، ولا مجتمعا آيلا للإنهيار.
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ولي العهد يلتقي وجهاء وممثلين عن عشائر العجارمة

هيئة الإعلام توضح معايير صانع المحتوى المحترف الملزم بالحصول على ترخيص

الملك يفتتح جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية

أورنج الأردن تشارك في فعالية Femi Tech دعماً لتمكين المرأة في التكنولوجيا

تخريج الفوج السادس والعشرين من كلية الأميرة منى للتمريض

اتحاد كرة القدم يبرم اتفاقية شراكة مع كيلمي العالمية لأربع سنوات

كتيبة التدخل السريع المغاوير/61 تنفذ تمريناً مشتركاً مع الجانب البريطاني

هيئة الإعلام: رسوم ترخيص صانع المحتوى المحترف 500 دينار

رويترز: مرونة أميركية للسماح لإيران بأنشطة نووية سلمية

منظمة العمل الدولية: حرب الشرق الأوسط تهدّد ملايين الوظائف

البكار يفتتح فرع ضمان شمال إربد ويتفقد سير العمل في فروع المحافظة

مونديال 2026: وصول منتخب إيران إلى تركيا لإقامة معسكر تدريبي

بني مصطفى: دمج المؤسستين الاستهلاكيتين يعزز القوة الشرائية

متحف السيارات يحتفل بعيد الاستقلال الـ 80 بفعاليات وطنية وتراثية كبرى

الأمم المتحدة تطالب إسرائيل بمنع وقوع إبادة في غزة

غضب واسع في العراق بعد مقتل طفلة والاحتفال بالجريمة

الكشف عن أخطر رسالة بين حماس ونصرالله صبيحة 7 أكتوبر .. ماذا تضمنت؟

نقيب الأطباء يكشف مفاجآت صادمة حول طبيب التجميل المتهم بهتك عرض أحداث

فاجعة تهز الأردنيين بالغربة بعد مقتل علي الأشقر .. التفاصيل

غموض نتائج الفحوصات يثير التساؤلات حول حادثة تسمم طلبة “اليرموك النموذجية”

للأردنيين .. غرامة تصل إلى 5 آلاف دينار لمرتكب هذه المخالفة

تطورات جديدة بقضية المتهم بهتك عرض 3 أحداث

الرمثا إلى نهائي كأس الأردن على حساب الفيصلي

شاب يقتل والدته في عمان .. تفاصيل

قبل أن تخطط للتنزه الجمعة .. انتبه هذه المناطق تحت تأثير رياح قوية

نزوح قرابة 50 ألفا من ولاية النيل الأزرق خلال العام

إربد .. عشائر دوقرة تصدر بياناً بشأن انتهاك شبان حرمة المسجد

سبب وفاة الفنان عبدالرحمن أبو زهرة

مستشفى الجامعة الأردنية توضح ملابسات قضية الاختلاس .. تفاصيل

استدعاء النائب العماوي للتأكد من تصريحاته عن ممارسات فساد