الناصر

الناصر

24-11-2016 09:18 AM

بعض الشخصيات التاريخية تقرأ عنها طوال العمر. فالسِيَر العظيمة تُكتَب ثم تُعاد كتابتها، ثم يضاف إليها، أو ينقَّح فيها، كلما توافرت لدى مؤرخ، أو كاتب، معلومات إضافية أو وثائق أو تفسيرات. من هذه الشخصيات طبعًا، وربما في طليعتها، صلاح الدين الأيوبي، الذي قَهَر الحملات الصليبية وردّها نحو أوروبا، الغارقة يومها في الجهل والتخلف. ومن الغريب، بل ربما من المألوف، أن المؤرخين الأوروبيين أجمعوا على فروسية صلاح الدين، وخُلق عدوهم الأول، بينما اختلف العرب والمسلمون حوله كالمعتاد. يُضاف إلى ذلك أن الأوروبيين هم الذين اعتنوا بكتابة ومراجعة التاريخ العربي والإسلامي، مُقابل محاولات قليلة، وغالبًا غير موضوعية، قام بها المؤرخون العرب.
 
في كتاب جديد عن صلاح الدين للمؤلف جون مان، اكتشفت شيئًا جديدًا، أو بالأحرى قديمًا لم أكن أعرفه عن أشهر مقاتل، وهو أن الزعيم الكردي الذي وُلد في تكريت، وعاش في دمشق، وحرَر القدس، وخاض المعارك في كل مكان، لنا نحن اللبنانيين أيضًا حصّة فيه. فهو على ما يبدو، جاء رضيعًا مع والده أيوب، الذي عُيّن حاكمًا على بعلبك، وبقي المولود هناك حتى التاسعة من العمر، يتمتع بعطور البساتين ومشهد القلعة الرومانية العظيمة، التي يزن كل عمود فيها ألف طن. بعد بلوغه التاسعة، انتقل الفتى يوسف، لاحقًا صلاح الدين، كي يمضي شبابه في دمشق، التي كانت تسمى يومها جنة الخالق على الأرض. وإذ يكتب كثيرون اليوم، ونكتب أيضًا، أن العرب قوم لا يقرأون، يحسن بنا أن نتذكر أن الرحّالة اليعقوبي أحصى في شارع واحد من شوارع دمشق، مائة مكتبة متحاذية. وفي العام الألف، كان الكتّاب والشعراء والفنانون والمترجمون يأتون إلى بغداد من أقاصي العالم، قادمين من الهند أو إسبانيا أو غيرهما، ومن كثرة ازدهارها، بلغ سكانها آنذاك، 1.200.000 نسمة، وهو الرقم الذي لم تبلغه لندن إلا بعد 800 عام. عندما كنت في موسكو 1972 قال لي سفير لبنان الراحل نعيم أميوني، وهو من أهل العلم والثقافة، إذا كنت تريد الاطلاع على التاريخ العربي حقًا، يجب أن تسافر من هنا إلى بخارى لكي تفتّش في مكتباتها العريقة عن أجمل صفحات التاريخ. وقال السفير أميوني: إنها لا تزال كما كانت في القرن الحادي عشر، يوم وصفها الثَعالبي بأنها وجه الروعة في الإمبراطورية الإسلامية، وملتقى العقول الكبرى من كل مكان.
 
نعود إلى بعلبك التي كانت في تلك المرحلة مدينة عربية شديدة الازدهار، وليس فقط مدينة تضم إحدى عجائب المعمار في الأرض، فيها بدأت نشأة الفاتح الكبير. وكما أننا لا نعرف على وجه الضبط كيف بُنيت تلك القلعة، فإننا لا نعرف أيضًا بمن تأثر صلاح الدين في القوة وفي الحكم، في المعرفة العسكرية وفي خداع العدو، وإلحاق الهزيمة به، ثم العفو عنه.
 
بدل أن تنسى أوروبا فيما بعد الرجل الذي هزمها وردها على أعقابها، ما تزال تَتَدارس، حتى الآن، سيرة قائد عسكري مذهل وحاكم عادل. ربما ما يمكن أن نغامر في التكهّن به، تأثير كبير مستشاريه الفلسطيني القاضي الفاضل، الذي لم يُعطَ حقه من الدراسة في الأدب العربي، لولا محاولة يتيمة قامت بها قبل سنوات مؤسسة عبد المحسن القطان.
 
* نقلا عن "الشرق الأوسط"
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

3 شهداء ومصابون إثر قصف الاحتلال الإسرائيلي مركبة وسط غزة

بدء مرور شحنات الأسمدة عبر مضيق هرمز

500 مليون متابع عالميًا .. أرقام قياسية متوقعة لمباراة الأردن والأرجنتين

ندوة فلكية عربية بمناسبة اليوم العالمي للكويكبات

عشرات المنظمات تحذر من خطر وقوع فظائع في الأبيّض السودانية

مدير الأمن العام يشارك في منتدى سانت بطرسبرغ الدولي 14

وسط إقبال واسع .. سوق جارا يستقبل زواره للأسبوع الثالث على التوالي

وزير خارجية الإمارات لنظيره الإيراني: ضرورة حماية الممرات البحرية وحرية الملاحة

مجلس التعاون الخليجي يرفض تهديدات إيران لحرية الملاحة في هرمز

معسكر تدريبي لصقور الناشئين في القاهرة استعدادًا لغرب آسيا

وزير إسرائيلي يحذر إيران من مهاجمة إسرائيل

كوريا الجنوبية تعلن خطة لمواجهة التهديدات الكورية الشمالية

فنزويلا تعلن ارتفاع حصيلة الزلزالين إلى 589 قتيلا

عقب الزلزال .. الأردن يرسل فرق بحث وإنقاذ وكوادر طبية إلى فنزويلا

ماذا وراء هبوط الذهب .. تحذير للأفراد والمستثمرين

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم

وفاة 40 شخصا غرقا في فرنسا خلال موجة الحر

عروض على الأرز والسكر والمواد الأساسية بالاستهلاكية المدنية