الرواسم

الرواسم

25-11-2018 03:23 PM

 يتكرر في كتاباتنا استخدام التعابير والمصطلحات التي لكثرة ما استعمِلَت أصبحت عبئاً على اللغة نفسها. وقد سُمِي هذا النوع من الترداد «الرواسم»، ترجمة لكلمة «كليشيه» الفرنسية. ولقد وجدت في الرواسم تعبيراً عبقرياً عن المقصود، لأن معناها الأصلي، هو الأختام. والختم مكررٌ لا يتغيّر فيه شيء إلى ما شاء الله. من أكثر التعابير التي استهلِكَت في العالم العربي، وإلى حدٍ ما في الحضارات الأخرى، بيت الشعر الذي قاله روديارد كيبلينغ: «آهٍ، الشرق شرقٌ والغرب غربٌ ولن يلتقي هذا المثنى على الإطلاق». لم يحاول أحدٌ على الإطلاق أن يُكمِل قراءة تلك القصيدة، لأن الأبيات التالية تلغي تماماً معاني وأهداف البيت الأول. إذ يُكمِل كيبلينغ قائلا: «لأنه ليس هناك شرقٌ ولا غربٌ ولا حدودٌ ولا تنشئةٌ ولا عرقٌ/ تفصل بين رجلين قويين عندما يقفان في وجه بعضهما البعض/ مع أنهما آتيان من آخر أطراف الأرض».

 
كان كيبلينغ، إذن، يريد القول إن الشرق والغرب ملتقيان بقوة الطبيعة، شئنا أم أبينا. وإن الحضارات والطبائع والظروف مهما اختلفت لا بد من أن تنصهر، بطريقة أو بأخرى في حقلٍ أو في آخر. وعندما كتب هذا الكلام أوائل القرن الماضي من الهند حيث عاش فترة طويلة من حياته، إنما كان يريد القول إنه لا بدَّ من الانصهار عند نقطة ما، مهما تعمّقت التباينات الحضارية. غير أن العالم استخدم هذا «الكليشيه»، في الشرق وفي الغرب، لكي يدعم نظرية معاكسة تماماً. وهي مناقضة بالدرجة الأولى للغريزة البشرية التي قام تاريخها على تلاحم أو تلاقح الحضارات والأجناس ولو ظلّت صفات كلٍّ منها على ما هي.
 
لا يتذكّر ناقلو هذه النظرية المبتورة أن عدم الالتقاء واردٌ في الغالب عند أهل الجنس الواحد أو الحضارة الواحدة. فالحروب الطاحنة كانت بين الأوروبيين والمسيحيين والعرب والأفارقة أنفسهم، وبين ما سُمِي «الجنس الأصفر»، حيث لا يزال فريقٌ كبيرٌ منه متباعداً أو متعادياً على أثر حروبٍ واحتلالاتٍ لا حصر لها في اليابان والصين وكوريا.
 
يخطر لي أن أجمع الرواسم التي يبدو أن لا فكاك عنها. بعضها يعود إلى الجاهلية، التي عرفت أيضاً باسم «أيام العرب»، وبعضها الآخر لم يعد يعني شيئاً على الإطلاق، أو هو غير مفهومٍ لدى فريقٍ كبيرٍ من الناس، كمثل القول «ما هكذا يا سعد تورد الإبل»، مع أن الكثير حتى من أهل البادية لم يعد يعرف كيف تورد الإبل، فكيف نطلب ذلك من ابن القاهرة أو بيروت. في لقاءٍ مع طلاب الإعلام، قبل عام، تمنّيت عليهم شيئاً واحداً - بعكس المألوف - هو الامتناع عن التأثّر بالأساتذة وتجنّب مفرداتهم والهرب كلياً من جفاف الرواسم.
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

توقعات الذكاء الاصطناعي لبطل مونديال 2026 .. المرشح الصادم

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

الصحافة الأجنبية تعلق على مباراة الأردن والأرجنتين .. ماذا قالت عن أبو ليلى وهدف ميسي

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

متورط مع موظفة .. فيديو خادش منسوب لمسؤول معروف يهز العراق

أسعار الذهب ترتفع محلياً السبت

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

توضيح ملابسات حادثة الموظفة التي حاولت اقتحام مكتب وزير السياحة

سيادة لبنان حاجة سورية إقليمية

إيران تودّع المونديال .. ومصر تحقق تأهلاً تاريخياً للدور الثاني