هل أصبح الأردن بدون كُتّاب اقتصاد؟

mainThumb

10-02-2021 11:49 PM

أبرز ثلاثة محاور وعناوين للكتابة في الصحافة العربية عمومًا هي السياسة والاقتصاد والشؤون الثقافية والأدبية.
 
هنالك سيل جارف من كتبة الشؤون السياسية، ويكاد كل عربي أن يصبح "خبيرًا استراتيجيًا" أو "محللًا سياسيًا" في لحظة ما من الزمن؛ فالسياسة هي حديث الجميع وموضع اهتمامه.
 
في المقابل يحظى الجانب الثقافي والأدبي بحصة كبيرة من النصوص المنشورة في الفضاء العربي بِحُكم ثقافة هذه الأمة ذات التركز الكلامي في تناولها للأدب والتاريخ والسرديات، وهذا التناول لم يبتعد عن أطر العرض والتحليل واجترار ألف عام من النصوص، كل ذلك بانفصالٍ تام عن الاشتباك مع المعاش اليومي للشعوب المهمشة والمهشمة.
 
في الطرف الأخير والأكثر أهمية وملموسية للواقع اليومي المُعاش يقبع هناك عدد قليل من الكُتّاب للشأن الاقتصادي، حيث لا يجرؤ الكثير من النخب الأكاديمية للتطرق للغة الاقتصاد المعقدة والرقمية الكمية، ويُفضّل الكثير الذهاب للشأن السياسي كونه أكثر انتشارًا وظهورًا على وسائل الإعلام والتلفزة بغية الظهور والشهرة.
 
الكتابة الاقتصادية لها طابع خاص يختلف كثيرًا عن التناول للقضايا السياسية والثقافية؛ فالاقتصاد لغة الحقيقة والأرقام والتحليل والتنبؤ ورسم الأنماط وبيان العلاقات بين عوامل الثروة والإنتاج والموارد، وهذه اللغة بطبيعتها عسيرة على فهم أغلب العامة، ولعل ذلك هو سبب عدم الإقبال على الكتابة الاقتصادية من طرفي العرض والطلب.
 
الأردن لم يخرج عن هذا التوصيف المُعمّم عربيًا، وبرغم توافر آلاف الخبراء وعلماء الاقتصاد والأساتذة الأكاديميين المؤهلين فإنك لا تجد كاتبًا اقتصاديًا حقيقيًا وناشطًا في هذا المجال؛ فاهتمام الغالبية ينحصر في تقديم تقارير تحليل الأسواق المالية مدفوعة الأجر، أو الانشغال بكتابة بحوث الترقية الأكاديمية ليس أكثر.
 
الجميع يتهرب من مهمة التفرغ للكتابة الاقتصادية، ويكاد يخلو الميدان من تلك الكتابات الرصينة والفنية المحترفة والموضوعية الجريئة التي تؤمن بلغة الأرقام والحقائق، حتى أنك لا تجد نشرة أو مجلة أو جريدة تتخصص بهذا الشأن !
 
في أحد النقاشات لاستكتاب عالِم تمويل واقتصاد أردني ينشط على وسائل التواصل الاجتماعي في كتابة منشورات مقتضبة، كان الرد بأن الناس غير معنيين بقضية إدارة الموارد الاقتصادية وأن الغالبية لن يفقهوا مضامين الكتابة الاقتصادية المتخصصة وأن مِن الأجدى كتابة بحوث للترقية الأكاديمية أو تأسيس شركة استشارات مالية تدر دخلًا !
 
ما بين نموذجي (فهد الفانك) و (خالد الزبيدي) رحمهما الله كان ملخص الكتابة الاقتصادية في الأردن؛ فالأول كرّس جهده في تسويق وجهة النظر الرسمية وكسب التأييد الشعبي لها بلغة سهلة وأقرب للتسويغ منها للغة الاقتصاد الحادة والمعقدة. أما الثاني فقد فَجّر أعقد المعادلات لتسعير المشتقات النفطية، وتتبع فاتورة النفط ذات الألغاز، وطرح بجرأة جوانب غامضة لم يتناولها أحد مِن قبله.
 
بين هذا وذاك، يبدو أن الأردن قد أصبح ينعى أشهر كتابه الاقتصاديين، ومازال هنالك الكثير من التساؤلات والنماذج والانتقادات لم يقترب منها أحد حتى اللحظة في ظل أحوال اقتصادية صعبة يمر بها الأردن بعد أن تجاوزت نسبة الدين العام فيه 103% من دخله القومي، وزاد حجم الدين العام عن 43 بليون دولار، وتناهز البطالة نسبة 20% بعد عام كوروني صعب على الجميع، وكساد عقاري واسع، وركود تجاري ملحوظ، وتآكل للمداخيل وتراجع للطلب، كل ذلك في ظل تجمد تقليدي للسياسات المالية والنقدية المحافظة، والتي تدفع اليوم فاتورتها البنوك نفسها التي لطالما جنت الملايين من جرائها.