من قتل الكبش .. ألضبع ام الراعي؟

mainThumb

27-07-2022 03:44 PM

كان يا ما كان كبش في قديم الزمان، قرونه ملتوية مثالث اتخذته النعاج قائدا رمزا لها، اما الراعي فكان يعتمد عليه في تنظيم امور "الشلية" . كبش أبيض الرأس أرخم، أسود الأرنبة أدغم الذقن أخصف الخاصرة أرمل الأرجل نبطي الجنب أوشح ، مكتنز اللحم ، يتقدم " الشلية" خلف الحمار والقطيع يتبعه بانتظام. كان يطرب لشبابة الراعي الذي يعزف على نايه مرجعا ابيات ابي القاسم الشابي :
لن تملي يا خرافي في حمى الغاب الظليل
فزمان الغاب طفل لاعب عذب جميل
و زمان الناس شيخ عابس الوجه ثقيل
يتمشى في ملال فوق هاتيك السهول.
وفي يوم عابس الوجه ثقيل هاجمت الذئاب والضباع القطيع وقتّلت من الخراف عددا كبيرا. وذاع الخبر في المراعي والسهوب والجبال والسهول ان هذا القطيع لا والي له ولا احد يدافع عنه، رغم وجود راع و كبش كبير يقود هذه الخراف والنعاج.
اضطر مالك القطيع أن يرسل ابناءه الذين لم يتجاوزوا الخامسة عشرة من العمر كي يساعدوا الراعي في حماية القطيع ، ركب الراعي حماره وسار المرياع الرمز خلف الحمار وحدى الركب كلاب سلوقية لكنها كذابه كالبارقات الخلّب، سريعة الى أبناء العم من الكلاب تلطم وجوهها ،وليست الى تلبية النداء بسريعة إن أغارت الضباع على الحي أو الأغنام ، لا تجرب نفسها في العراك والهيجاء بل تنطلق انطلاق الغزلان مولية الأدبار.
الشمس في كبد السماء الزرقاء ، وروضة قشيبية تزحر بالأعشاب ، رتعت الأغنام ، وأمتلأت كروشها عشباً وربيعا، الأغنام ، طربت ، هجعت ، وأخذت تثغوا بصوت واحد ، والكبش رابض في الجناح الأوسط ، والراعي يعزف على نايه :يا ظريف الطول .....
تردد صوت الثغاء والناي في مسامع الضباع ،فشنت غارة مفاجئة، ذعر الراعي والأولاد، واطلقت الكلاب سوقها للريح والراعي و الأولاد: شاهدوا الضبع, وشاهد الفلاحون الساعون في حقولهم المطلة على الروضة الهجوم الغاشم، وشاهدوا بأمات أعينهم كيف أن الضبع الكاسر المعروف في تلك الديار للقاصي والداني هو الذي بقر بطن الكبش بكل شراسه والتهم من لحمه ما ملأ كرشه وأشبع نهمه!
ُاتهِم الراعي بأنه هو الذي ذبح الكبش كي يأكل من لحمه شواءً . اجتمع اهل القرية واصحاب الشلايا ، وتشاورا في شأن الضباع والذئاب ، منهم من اقترح تسليح الرعاة وبعض الأفراد للقضاء عليها ، ومنهم من طالب بقتل عدد من الحمير والأغنام والحيوانات الهرمة ثم رش السم عليها ووضع جيفها في الأماكن القريبة من اوكار الضواري كي تأكل منها وتموت. اعترض بعض المثقفين أصحاب القرافات العريضة وكبار المفاوضين وغيرهم وقالوا ان هذه العمل يشوه صورة أهل القرية أمام جمعية الرفق بالحيوان وقد يصل ذلك إلى الراي العام العالمي ، واقترحوا تشكيل لجنة تبحث في أسباب موت الكبش.
تشكلت لجنة من عدد من أطباء البيطرة وقصاصي الأثر .
استغرق التحقيق أسابيع طويلة و في النهاية جاء في التقرير : بناء على طلب مالك القطيع تشكلت لجنة تحقيق من نفر من أطباء الاختصاص وقصاصي الأثر، وبعد التحري والفحص الدقيق تبين أن الضبع المتهم لم يقتل الكبش رغم أنه أكل من لحمه ، وتوصلت اللجنة بالدليل القاطع أن الكبش قد ذبح على الطريقة الاسلامية بشبرية ، وأن الضبع هاجم بقايا الكبش بعد أن تم تجريده من اللحم القابل للشوي ، وذلك قبل ساعات طويلة من الهجوم. صحيح أن الضبع لم يقتل الكبش لكن الذين من حوله هم الذين قتلوه!
وليمة كبيرة لم يشهد التاريخ مثيلا لها: اكبر منسف واكبر قدر " مليحية" بمناسبة صدور التقرير.
بحثوا عن الراعي فلم يجدوه ، يقال أنه منخرط في النضال في موقع آخر ، أما الأولاد فما زالوا يتدربون .... والناس " شايفين الضبع لكنهم مشغولون بقص أثره". آخرون يهتفون:
مندوب خبر دولتك لندن مرابط خلينا!