اللبنانيّون وقد طُردوا إلى .. الطبيعة!

اللبنانيّون وقد طُردوا إلى ..  الطبيعة!

08-08-2022 06:34 PM

يوم الخميس الماضي، مع الذكرى السنويّة الثانية لتفجير مرفأ بيروت، كان يومَ الإقرار الشامل بأنّ اللبنانيّين قد طُردوا إلى الطبيعة، وأنّ عليهم أن يتدبّروا أمرهم هناك، لا في الدولة والقانون، ولا في الاجتماع.
حجم المظاهرات التي تضامنت مع الضحايا واستنكرت الكارثة عبّر عن ذلك بوضوح.
هذا لا يعني أنّ التضامن والاستنكار كانا قليلين، أو بسيطين. إنّه يعني أنّ الأمل بفرض تغييرٍ ما هو القليل. أنّ اليأس هو الذي بات ساطعاً.
ذاك أنّ الجماعة الحاكمة استكملت عمليّات طرد السكّان من السياسة إلى الطبيعة، أي إجلاءهم من حيث تُناقش القضايا العامّة وتُتّخذ القرارات ويكون رأي عامّ مؤثّر إلى حيث «القويّ بقوّته»، كما يقول التعبير الشائع.
وهذا يعني، بين أمور كثيرة أخرى، تكريس مأساة المرفأ بوصفها فعلاً لم يفعله أحد. لقد فعلته طبيعة عمياء، بحيث ينبغي وعيه بوصفه حدثاً طبيعيّاً، أي حدثاً غير سياسيّ. ولربّما أسهم التجاوُر الزمنيّ بين التفجير وجائحة كورونا في تثبيت هذا التصوّر الرهيب.
فالحدث الطبيعيّ لا يخلّف أثراً وراءه، ما خلا أثر إزالة الأثر، أو المحو. إنّه هو نفسه يتولّى، بكلّ حياديّة وبانعدام كلّ غرض أو غائيّة، اقتلاع ما كان قائماً. وكم هي بليغةٌ تلك الدلالة الرمزيّة لانهيار أربع صوامع من أهراءات المرفأ في يوم الذكرى الثانية ذاته. لقد أريد أن يقال: هذا أيضاً عمل حياديّ لا يقف وراءه أيّ غرض أو غائيّة.
والحدث الطبيعيّ لا تليه مساءلة ولا ينجم عنه عقاب. إنّه نتاج إرادة لا نتعقّلها ولا نملك السيطرة عليها: القضاء المحلّيّ ممثّلاً بالقاضي طارق البيطار مكفوف اليد، تتقاذفه التهم والدعاوى. القضاء الدوليّ ممنوع بدوره بحجّة وجود قضاء محلّيّ.
إلى ذلك، أغلب الظنّ أنّ اندلاع ثورة تشرين قبل التفجير، لا بعده، إنّما أسهم في تعزيز القناعة بأنّه «ليس في الإمكان أفضل ممّا كان». إنّ التفجير، بالتالي، حدث لا يمكن أن يظهر ردّ عليه لأنّه، مثل أفعال الطبيعة، لا يوجد مسؤول عنه. نترات الأمونيوم لم يستدعها أحد ولم يرسلها مُرسل إلينا، لكنّها حضرت من لا مكان ومن تلقائها واختارت أن تحلّ في ربوعنا. لقد أتت تماماً كما تأتينا، بين وقت وآخر، عواصف آتية من أمكنة بعيدة.
وبالفعل فإنّنا هنا نتحدّث كما لو كنّا نصف الطقس الذي لا يمكن التحكّم به، أو الزلزال والفيضان اللذين يحدثان شئنا ذلك أو أبينا.
لكنْ حتّى حين ينكشف بقدرة قادر بعض الحقيقة وتتّضح بعض المسؤوليّة، كما في قضيّة تفجير رفيق الحريري ورفاقه، تبقى العدالة مستبعَدة. ذاك أنّ العدالة الأصليّة كامنة في الفعل الطبيعيّ نفسه: إنّ حكمة ما نجهلها تقف وراء اغتيال الحريري أو تفجير المرفأ!
والطبيعة تعريفاً طاردة للعدالة بقدر ما إنّ العدالة طاردة للطبيعة. في الطبيعة، القوّة هي إيّاها الحقّ، والغابة طبيعة في آخر المطاف.
وفي دفعنا هذا إلى تلك الطبيعة يتمّ تفكيك ما تبقّى من عُرى ومعانٍ يزخر بها الاجتماع وتعبّر عنها السياسة: البلد يتعرّى اليوم من كلّ داخل يصنعه البشر وعلاقاتهم. السكّان يُفصلون عن أملاكهم المحجوزة في المصارف. الدولة تنفصل عن قضائها. التغيير ينفصل عن موضوعه. الأبناء ينفصلون عن تعليمهم... أمّا علاقة الجماعات فيما بينها فيختصرها بكاء إحداها على مأساة المرفأ وضحاياها، وانتشاء إحداها بما تصفه انتصاراتٍ على إسرائيل. الذاكرة ومحو الذاكرة؟ كليشيه بات بليداً ومضجراً، لأنّ كلّ واحد فينا يتذكّر في اتّجاه، واضعاً ذاكرته في مواجهة ذاكرة أخرى.
إنّ جريمة المرفأ أحد أكبر الأفعال الرهيبة لنظام ينتج الضحايا ثمّ يرفع الأسباب التي تسبّبت بسقوط الضحايا إلى مقدّس طبيعيّ. وهناك محطّتان كبريان في مسار هذه الثقافة التي تقتل السياسة بسلاح الطبيعة: الأولى اتّخذت شكل التمجيد للتركيبة الطائفيّة اللبنانيّة التي لم تُقدَّم كاضطرار أملتْه لحظة تاريخيّة ما وتُزيله لحظة أخرى، بل حُوّلت إلى علاج رومنطيقيّ وعبقريّ للمآسي التي تنجم عنها، وإلى رسالة ونموذج للعالمين. لكنْ ما إن انحسرت قليلاً تلك الصيغة حتّى ظهرت أخرى أكثر شرّاً وأقدر، بلا قياس، على توليد الشرّ: إنّها المقاومة التي يسهل في سبيلها الموت، ولا يجوز لأيّ مأساة أن تدفع إلى مساءلتها أو حتّى مراجعتها بوصفها أشدّ أفعال الطبيعة إلهيّةً وأقربها إلى الأقدار المحتّمة.
ماذا ينفع التظاهر، والحال هذه، ضدّ فعل طبيعيّ لم يفعله أحد، فيما يجد كثير ممّن يمتنعون عن التغنّي به لكنّهم يتغنّون بنتائجه، فيصوّتون للمرشّحين الذين ينبغي أن يُساءلوا عن التفجير، وللمقاومة التي تحمي نظام التفجير وترعاه؟
إلى الغابة در. هذا هو أمر اليوم في لبنان.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الجيش يحبط محاولة تهريب كمية من المواد المخدرة بواسطة بالونات

العجارمة لطلبة التوجيهي: ورقة الامتحان نافذة نحو أحلامكم

الأردن يعزي فنزويلا بضحايا الزلزالين ويؤكد تضامنه معها

أمانة عمان تنفد أعمال قشط وتعبيد في منطقة شفا بدران

النشامى يستهل تدريباته بدقيقة صمت على روح المشجع زيد الدماسي

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جندي خلال نشاط عملياتي بجنوب لبنان

الأردن يسيّر القافلة التاسعة من المساعدات الإنسانية إلى لبنان

القوات المسلحة ترسل مواد طبية ولوجستية إلى الضفة الغربية

في ظل قوة الدولار .. الذهب يواصل تراجعه

ترامب: زلزالا فنزويلا تسببا في عدد مروع من الوفيات

انطلاق أولى جلسات الثانوية العامة 2026 الخميس

الفراية يتفقد سير العمل في جسر الملك حسين للمرة الثانية خلال أسبوع

الدولار يتجه لتحقيق أكبر مكاسب شهرية منذ نحو عام

اجواء صيفية معتدلة الحرارة في معظم مناطق المملكة الخميس

تأهل المغرب إلى دور الـ32 في كأس العالم 2026 بفوز مثير على هايتي

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر

الزراعة: شحنة عجول كولومبية عابرة للعراق وليست للسوق الأردنية

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم

الإدارية النيابية تبحث مع الأحزاب مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026

موعد التقديم للعمل على حساب التعليم الإضافي بالتربية

خبر طلاق نسرين طافش يتصدر المواقع