اشارات من سورة النمل

mainThumb

23-09-2022 03:50 PM

فإذا كنا نتعلم من النمل العمل الدؤوب والاجتهاد والعمل الجماعي التعاوني وتوزيع المهام ،والمحافظة على وحدة الصف والنظام وأخذ الحيطة والحذر والتأقلم والاستعداد لأصعب الاحتمالات ،والأهم من هذا وذاك المحافظة على المكتسبات ،فإننا كذلك نتعلم من الهدهد الا نقف عند هذ الحد وعند هذه المكتسبات بل نحط علما بما لم نحطه في محيطنا ،فلا ما نع أن نطوف بأجنحة الاستبصار لاستكشاف ما لدى الأخر من معالم ومعارف وفي الحديث ( خذوا العلم ولو بالصين )
، فنتطلع إلى المعرفة والى ما لدى الأخرين من تجارب ( رحلة الهدهد المعرفية دلت سليمان على ملك عظيم )
ولعلنا نذكر كيف حدثت النقلة النوعية والتطور المذهل بعد استكشاف القارات الجديدة، فلم تكن سوى فكرة ورحلة استكشاف - تماما كما فعل الهدهد - نتج عنها تحول نوعي,صحيح أن علينا ألا نفرط في المكتسبات لكن والصحيح أيضا أننا لا نكتفي بل ننطلق. لاستكشاف الجديد والأفضل والأحسن فهل ندرك هذه الإشارات ؟
فاجتهد و ادأب دأب النملة ومثابرتها واسلك طريقها للحفاظ على مكتسباتك ،ثم لا تكتفي بذلك بل حلق كالهدهد للإطلاع على العالم الأخر فيكون ما تتعلمه اضافة لما اكتسبته وليس بديلا وهكذا اجتمع لسليمان ملك بلقيس كما لم تخسر بلقيس ما لديها بل كسبت وازدهرت وجنبت نفسها ودولتها وشعبها الهلاك المحقق ولو كان للقادة اليوم رُؤى كهذه ما عشنا ماسات الحرب في اليمن ثمان سنوات والى الآن وما طبقه سليمان عليه السلام واستجابت له بلقيس هو عين العقلانية والرشد ..
فقد اعطتنا قصة سليمان وبلقيس عمل الدولة الناجح ،واعطتنا تجربة عملية يمكن الاستفادة منها في حل الاشكاليات الكبيرة التي قد تنشأ بين قوتين عظيمتين
....
*أما النقطة الثانية التي أريد ان أركز عليها فهي التحلي بالصبر وعدم استعجال الأمور فتعطينا قصة موسى بأن المجهود الفردي المبدع الذي قام به أخذ وقتا وتحمل الصبر وكيف لا وقد أُعطِيَ له درسا عمليا لا ينساه مع العبد الصالح الذي قصه الله لنا في سورة الكهف ،وتعطينا قصة سليمان عمل الدولة الناجح ، حيث استفادت من كل الخبرات السابقة والتجارب المريرة والمتمثل بالعمل الجماعي التكاملي المبدع ،وكيف حُولت الجهود الفردية إلى روى ومشاريع في نظام دولة كذلك فلا قيمة للنظريات ،والعلوم إذا لم تطبق ،كما هو الحال كذلك لا قيمة للقيم إذا لم نطبقها فلا قيمة للصدق إذا كنا لا نقوله ولا نقف مع الصادقين
ينبغي الا يغيب علينا أيضا أن الجهود الجبارة التي كلف الله بها موسى عليه السلام بدأت بعمل فردي مبدع ،ومهما كانت المؤشرات حينها تدل على استحالة النجاح وبعد جني ثماره ، الا أنها لم تمت وإنما أخذت وقتها الكافي وأن تلك الجهود وغيرها لثمانية أنبياء أكثر الله لنا من ذكرهم في القرآن١ هي عبرة وعظة لنا قال تعالى ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الأبصار ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون " 111) يوسف )
وهكذا الجهود الفردية المبدعة ستاخذ دوراتها اللازمة ثم تظهر طالما أن الأساس صحيح وهناك مثال مشهور يقول: ( البذور الصحيحة التي ذريتها في التراب سينزل المطر وسيظهر الزرع ) ،لقد أعطى الله موسى الكتاب وايده بتسع معجزات كما في قوله تعالى ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13)
لكن فرعون تكبر على الله وعلى موسى ولم يقبل الحق جحد كل تلك الآيات وحرم قومه ثمرة الإيمان ( وأضل فرعون قومه وما هدى "79" طه ) ومع ذلك لم تمت تلك الجهود و بقت بل وتراكمت ، ونمت شجرتها حتى وصلت إلى اوج قوتها في عهد داود وسليمان كما قصها الله لنا ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)... إلى ( آية ٤٤ من سورة النمل )
فالأمور العظيمة لا ينتجها شخص واحد ولا يتمخض نتاجها بفترة وجيزة وانما تحتاج إلى زمن قد يطول او يقصر ،وخذ مثالا : الطائرة التي نشاهدها تطوف البلدان شارك في وصولها إلى هذ الوضع المزدهر آلاف العلماء والمهندسين حتى وصلت بهذه الصورة ،ولم يشتغل بها عقل واحد وإن بدأت بشكل فردي ، كذلك لم يستغرق تطويرها جيل او جيلين وانما اجيال وهنا مثال عظيم للعمل التراكمي ضربه الله لنا مثلا
في محمد صلى الله عليه وسلم
فقال عز من قائل : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) الفتح )
ووجه الاستدلال مثلهم بالتوراة ومثلهم بالإنجيل كزرع .

فأخرج شطأه : بنوح
فآزره : بإبراهيم
فاستغلظ : بموسى
فاستوى على سوقه : بسليمان
يعجب الزراع : بعيسى ( لأنه زرع بلا مطر ) وولد بغير أب

ليغيظ بهم الكفار : بالحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وهل غاظ الكفار والملحدون ورميت الشياطين بالشهب المحرقات إلا به وبأصحابه وآله بأبي هو وامي )
...
*النقطة الثالثة فكما أنه علينا أن ننتبه وننظر إلى ما تحت أقدامنا ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) فنتواضع مع أضعف المخلوقات ولا نتكبر، وففي الوقت نفسه علينا أن ننظر فوق رؤوسنا ونحلق بعيدا على أمل أن نعود إلى موطننا ومكتسباتنا بعد أن نتعرف وننظر ما لدى الأخر
( فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتكا من سبأ بنبإ يقين "22" النمل .) فقد تذهب ثم لا تعود أو تأتي بالعلوم والحلول بعد فوات الأوان ولكن مكث غير بعيد ثم أتى بأشياء ومعلومات لها واقع وليست خرافات واوهام ..
وحقيقة الأمر أن هناك معين لا ينضب في القرآن الكريم فكل آية حكمة بذاتها وهي كذلك محور مع رتل من الآيات أو في سياق السورة وكل من سيتأمل وهو مشوق للتأمل سيفتح الله عليه بقدر حاجته واهتمامه نسأل الله أن يفتح علينا فتوح العارفين ..
والله الهادي إلى سواء السبيل .
.....................................................................
الهامش :
.........................................................................
١- الأنبياء الثمانية الذين اكثر الله لنا من قصصهم في القرآن هم ( نوح ،وهود ،وصالح ،وإبراهيم ،ولوط ،وشعيب ،
وموسى ،وعيسى )