الإسلام .. لا سُنيّا ولا شيعيّا

mainThumb

23-11-2022 12:36 PM

لا شكّ أنّ الخلافَ الدّائر بين أعظم طائفتين إسلاميّتين وهما السّنة والشّيعة، يدور حولَ قضايا ومسائل ليس لها علاقة بالدّين إطلاقا، نعم إطلاقا، فلا هي نصٌّ مقدّسٌ ولا هي من العقيدة ولا هي من العبادات ولا هي من المعاملات ولا هي من الأخلاق، وإنّما خلافهم تاريخيّ بَحت؛ أيْ في مسائل تاريخيّة تتضارب حولها الأخبار والرّوايات والتّصحيف والتّحريف والتّدليس والتّزوير وغير ذلك، وأنّ نشأة الطّائفتين بدأت منذ أوّل صراع سياسيّ بين المسلمين في ما يُعرف بالفتنة الأولى بين علي ومعاوية، تقريبا، كما تُتداول في مدوّنة التّاريخ الإسلاميّ.
ولا ريبَ، أنّ سببَ الخلاف التّاريخيّ بينهم تطوّر ونَمَى وتوسع مع توسع دولة المسلمين، لأغراض سياسيّة ومطامع سلطويّة ومؤامرات حِيكت لضرب الإسلام وتمزيقه والقضاء على شأفته، سواء أكانت مؤامرات داخليّه من أهل الإسلام من السّاسة والعلماء لتحقيق مصالح سياسيّة ومنافع شخصيّة، أم مؤامرات خارجيّه من غير المسلمين الّذي يبارزونه العداء والحِرابة؛ لتدميره حقدا وبغضا وانتقاما.
ومن أهمّ القضايا التّاريخيّة التي أدّت إلى تمزيق المسلمين إلى طائفتين عريضتين، هو خلافهم حول بعض الشّخصيات التّاريخيّة من حيث النّفاق والإيمان والعِصْمة، وما نتج عنهم من أحداث سياسيّة متعلقة بالخِلافة أو الإمامة. وسأقف على تلك الخلافات التّاريخيّة لتبيان تاريخيّتها البشريّة؛ اتّكاء على تعدد الآراء واختلاف المواقف و وجهات النّظر من الفريقين.
- شخصيات تاريخية لا دينية (أبو بكر وعمر وعثمان) و(معاوية ويزيد)
أعتقد أنّه من المؤكد أنّ الإيمان بتلك الشّخصيات ليس من أركان الإيمان، وليسوا، كذلك، من أركان الإسلام، وأنّهم شخصيّات تاريخيّة كغيرهم من الشّخصيّات، فهم بشر غير معصومين. وبالتّالي، فمن الممكن أنْ يتأثروا بواقعهم السّياسيّ والاجتماعيّ والنّفسيّ، فهم فيصيبون ويخطئون، ويذكرون وينسون، ويحبون ويكرهون، ويغضبون ويرضون، وهكذا، فالرّأي حولهم كالرّأي حولَ أيّ شخصيّة تاريخيّة، أيْ أنّها مبنيّة على المعطيات التّاريخيّة لتلك الشّخصيّة، ودراستها وتمحيصها وموازنتها ومقارنتها بطرق البحث العلميّ للدّرس التّاريخيّ، بعيدا عن أيّ بُعْد عاطفيّ أو عرقيّ أو دينيّ أو طائفيّ، فالخلاف بين الدّارسين حول تلك الشّخصيات يجب أنْ يكون بالبيّنات والأدلة والبراهين العلميّة والمنهجيّة للبحث العلميّ، بمعنى آخر، فإنَّ خلاف المسلمين حولهم كالخلاف بين اثنين حول نسبة كتاب سيبويه لسيبويه مثلا، أو نسبة قصيدة من القصائد لعنترة بن شدّاد، أو الخلاف حول شخصيّة جحا العربي أهي حقيقة أم أسطورة؟ أو كالخلاف في تاريخ فتح القسطنطينيّة أو كالخلاف في تاريخ صناعة أوّل مطبعة أو أوّل حاسوب.
وعليه، فقد ظهَرَ عدد غير قليل من علماء السّنة قديما وحديثا من يذمّ معاوية ويزيد ويعتبرهما من الباغين الظّلمة، وأنّهم السّبب الرّئيس في تمزيق الأمّة الإسلاميّة إلى طوائف وفرق ومذاهب، وأنّهم السّبب في إحداث الفتنة الكبرى بين المسلمين وقتل الصّحابة وعلى رأسهم عمّار بن ياسر. وثمّة دراسات لمن ينتمون إلى أهل السّنة بَحَثَت في خلافة عثمان رضي الله عنه ووقَفَتْ على أخطائه الإداريّة والسّياسيّة في آخر خلافته، واعتبارها السّبب الرّئيس لمقتله رضي الله عنه.
وفي المقابل فإنّ ثمّة عددا غير قليل من أكابر علماء الشّيعة ومراجعهم، قد أثْنَوا على الخلفاء الرّاشدين أبي بكر وعمر وعثمان ثناء كبيرا، فلقد اعتبر موسى الموسوي في كتابه "المتآمرون على الإسلام الشّيعي" الخلفاء الراشدين خير مَنْ مثَّل الإسلام بعد وفاة الرّسول، بعدلهم وصلاحهم وفضلهم، وذَكَرَ مستشهدا على ذلك بعدد من المواقف من سيرتهم المباركة. ولقد دافع إسماعيل آل إسحاق (العلامة الخوئيني) في موسوعته القرآنيّة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دفاعا شديدا في ما يُنسب له كذبا وزورا أنّه ضرب فاطمة رضي الله عنها، وبيّن الخوئيني فَضْلَ عُمَر وغيره من الخلفاء الرّاشدين والصّحابة رضي الله عنهم في نشر الإسلام وهزيمة عبّاد النار والأوثان.
وأمّا بخصوص اللّعن والسّب والشّتم لتلكم الشّخصيّات، فهو سلوك مذموم ومرفوض، لأنّه ببساطة يتنافى مع أخلاق الإسلام وأخلاق الرّسول الكريم، ولم يرد في القرآن الكريم أن لُعِن شخص بعينه إلا إبليس. فلا فرق بين من يسبُّ عمر وأبا بكر ويلعنهما، أو من يسب معاوية ويلعنه، أو من يبغض ويلعن أيّ مسلم؛ لأنّ الحرمة في اللّعن والشّتم من أصله لا في أصل الملعون. ومن ثمّ، فإنّ لَعْن فلان وسبّ علان، في نظري، هو عمل فرديّ ناتج عن مرض قلبيّ ما، كالحقد والبغض والحسد، فهو لا يمثل منهجا أو مذهبا لطائفة ما، تؤمن بالقرآن وبأخلاق رسول الله، فلقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: "ليس المُؤمِنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ".
- خلافات سياسية على السلطة/ الإمامة والخلافة.
بعد وفاة الرّسول صلّى الله عليه وسلم، اكتمل نزول القرآن، واكتمل الدّين، وانقطع الوحي، وأصبحت معالم الدّين واضحة جليّة ومحددة الأركان والعبادات والشّرائع والأخلاق والمعاملات والحدود، وما حدث في سقيفة بني ساعدة بعد وفاته صلّى الله عليه وسلم، لم يكن من تلك المعالم لا من قريب ولا من بعيد، وأنّ ما حدث فيها هو أمر طبيعيّ بغض النّظر عن حقيقة الصّراع الذي دار بين الصّحابة الكرام الأنصار من جهة والمهاجرين من جهة أخرى، أو بين المهاجرين من جهة وعلي كرّم الله وجهه من جهة أخرى في أحقيته بالولاية أو عدم أحقيته، فإنّ كلّ هذه الأحداث هي خارج سياق النّص الدّينيّ الذي اكتمل نزوله قبل تلك الحوادث، ولم يرد بنصّ القرآن لا تلميحا ولا تصريحا ولا ظاهرا ولا باطنا ولا تأويلا ما يُشير إلى ذلك الصّراع، لأنّه ببساطة هو صراع بشريّ سياسيّ متعلق بالسّلطة ونظام الحكم فيها، وهذا أمر لا يرتبط بأشخاص معيّنين بل يرتبط بقواعد عامة وضّحها القرآن لتكون حكما عادلا صالحا؛ لأنّ نظام الحكم تُرِكَ للبشر ليتوافق مع زمانهم ومكانهم وظروفهم، فهو متغيّر ومتحول بتحوّل الأحوال والأعصار.
وثمّة كثير من علماء الشّيعة ينظر للمسألة نظرة تاريخيّة، باعتبارها واقع تاريخيّ وانتهى، وأنّ قرار تولي أبي بكر هو قرار خاطئ؛ إذ حقّ الولاية لعلي لا لسواه، إلا أنّه رضي الله عنه بايعه وآزره وجاهد معه، وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ المسألة ليست دينيّة وإلا لقاتلهم على ذلك، ومما يدفع للاستغراب والتّعجب أنّ بعض الشّيعة ينظر إلى أحقيّة علي للإمامة باعتبارها دينا وعقيدة، كيف تكون دينا وعقيدة، ولم ينصّ عليها القرآن الكريم لا بالتّصريح ولا بالتّلميح، لا يوجد كما أسلفت، أيّ ذكر لولاية الحكم في القرآن كلّه، لأيّ شخص كان أو فرقة أو طائفة أو عرق أو لون أو قوميّة.
إلا أنّ الموضوع ليس على ما سلف عند كثير منهم، فأحمد الكسروي في كتابه "التّشيع والشيعة" يرى أنّ منصب الخليفة عند المسلمين يتحقق بالشّورى وليس بالنّصّ، ويرى الكسروي أنّ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، لا يدلّ على أنّ الإمامة لعلي، إذ لم يسمّ الله تعالى عليّا، لتكون الآية صريحة لا تحتمل الخلاف، فقوله تعالى: (منكم)، تدلّ على وجوب الطّاعة لِمن اختاره المسلمون، وهذا يناقض مبدأ الإماميّة، ولقد وقف الكسروي في كتابه السّابق على عشرات الأدلة التي تنسف عقيدة الإماميّة عندهم.
أما محمد حسين فضل الله فإنّه يرى أنّ الإمامة ليست من الثّوابت بل هي من المتغيّرات، وأنها ليست من عقيدة الإسلام ولا من ضرورات الدّين، وأنّها داخله في مسائل النّظر والتّمحيص، والتّصحيح والتّضعيف، وذلك باعتبارها وقائع تاريخيّة وليست نصّا دينيّا.
- عصمة الأئمّة / وتقديس الصحابة .
بداية، لا أحد من أهل السّنة أو الشّيعة من يطعن بالصّحابة بالجملة، أو يشكّك في إيمانهم واتّهامهم بالنّفاق بالجملة، أو يلعنهم ويسبّهم بالجُملة، فهذا بلا شكّ محال، لأنّه يخالف صريح القرآن بعشرات بل بمئات الآيات التي أثْنَت على الصّحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم. وجاء أيضا في القرآن أنّ هناك أشخاصا ممن حول الرّسول من المنافقين والكذّابين ولم يكن يعرفهم صلى الله عليه وسلم، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾. وهكذا، فإنّ الخلاف الواقع بين الطائفتين مركوز في أشخاص بأعيانهم من الصّحابة مُتهمين بالنّفاق والرّدة عند أهل الشّيعة.
وبناء على ما ذُكر، فإنّ هذا الموضوع لا يختلف عن ما سبقه من مواضع، إلّا أنّه مرتبط بأشخاص لا بأحداث، فالأئمّة والصّحابة هم شخصيّات تاريخيّة لا نعرف عنهم إلا ما وصلنا عنهم من روايات، ولا شكّ أنّ أيّ رواية تاريخيّة لا تخلو من اعتبارات سياسيّة ومذهبيّة وطائفيّة وعرقيّة، ولا شكّ أنّهم بشر سواء بالجملة أم بأعيانهم، فلم يردْ أيّ ذِكْر في القرآن الكريم يدلّ على عِصمتهم أو تقديسهم أو اتباعهم وتقليدهم تقليدا أعمى أو الأخذ عن أعيانهم بلا نَظَر أو تفكير أو تمحيص.
وهكذا، فإنَّ الإيمان بعصمة الأئمة وتقديس الصّحابة بالجملة، انطلاقا من مفهوم الصّحابيّ عند الأصوليين أو المحدثين؛ إذ ليس له علاقة بمسائل الدّين والعقيدة أو بمسائل الإيمان والصّلاح، بل نشأ أغلبه عن نعرات طائفيّة ومذهبيّة وخصومة علميّة وأحقاد وعصبيّات للعرق أو للقبيلة أو للفكر. والحقّ، أنّ هذه المعتقدات وهذه التّوجهات لا تمثل الإسلام ولا تعاليم الإسلام ولا سماحة الإسلام ولا وحدة الإسلام، بل مزقت دين الله الواحد إلى أديان ومِلَل متناحرة ومتصارعة ومتقاتلة باسم الله ودين الله وهو منهم براء.
وفي إطار ذلك، فإنّ ثمّة عدد غير قليل من علماء الشّيعة من يجلّ الصّحابة ويقدّرهم أعظم تقدير، فمحمد الياسريّ في كتابه "مذهبنا الإماميّ الاثنى عشري بين منهج الأئمة والغلو" يَعُدّ الصّحابة من: "حملة الرسالة الإسلاميّة وجنودها الّذين أوصلوا القرآن والسّنة النّبويّة للناس كافة وهم المهاجرون والأنصار".
ولو جئنا على الإمام البرقعيّ لوجدنا أنّه يدافع عن الصّحابة دفاعا كبيرا؛ إذ بيّن في كتابه " كسر الصّنم" أنّ الصّحابة رضي الله عنهم كانوا عدولا أخيارا مبرّئين من الرّدة والنّفاق ومن أيّ طعن، مستدلا بذلك بعشرات الآيات القرآنية، وبدلالة العقل، ودلالة التاريخ، ودلالة أقوال الأئمة والثناء على الصحابة".
أما موقف محمد حسين فضل الله من الأئمة، فإنّه يرى أنّ الأئمة غير معصومين ولا يُوحى إليهم، ولقد شَنّع أيّما تشنيع على الّذين يجعلون الأئمة أفضل من الأنبياء، ولقد تعجب ممن يعتقد أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم دعا الله في يوم من الأيام فلم يستجب له حتى قالتْ فاطمة الزّهراء آمين فاستجاب الله بتأمينها.
وغيرهم لا حصر له من العلماء الّذين يثنون على الصّحابة ويدافعون عنهم، وينتقدون عصمة الأئمة وعقيدة الإماميّة.
- عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها
ففي هذه القضيّة لا بدّ من بيان أمر مهمٍّ جدا وهو أنّ آيات الإفك في القرآن الكريم وهي من الآية ١١ إلى الآية ٢٦ من سورة النور، جاءت في امرأة مؤمنة محصنة وغافلة اتهمها جماعة من الناس بعد غزوة بني المصطلق بالفاحشة، فبين الله براءة تلك المرأة من تلك التّهمة، وهدَّد سبحانه بوعيد شديد وعذاب أليم الّذين أشاعوا تلك الفاحشة بين النّاس كذبا وبهتانا وإفكا، و وبخ مَنْ نَشَرَ الشّائعة من النّاس دون أن يتبينوا ويتحققوا ويمحصوا.
وهكذا، فإنّ الآيات تخلوا من تعيين (المتَّهَم) و (المتَّهِم) أو من تعيبن (المقذوفة) و (القاذفين). وعليه، فإنّ في الآيات قولين، الأول: أنّها نزلت في عائشة بنت أبي بكر حينما تكلّم فيها أصحاب الإفك، والآخر أنّها نزلت في مارية القبطيّة حينما تكلّم فيها أصحاب الإفك وعائشة، فطائفة السّنة مع القول الأوّل، وبعض الشّيعة مع القول الثّاني. مع اتفاق الطّرفين على تنزيه نساء النّبي من أيّ فاحشة. فالمعتقد السّائد عند أهل الشّيعة في قضيّة الإفك، أنّ نساء النّبي صلّى الله عليه وسلم، بل وجميع نساء الأنبياء منزّهات عن الفواحش الّتي تمسّ الشّرف والعِرض، لأنّ ذلك يخدش مقام النّبوة وينافى مع الإيمان بالله وبأنبيائه.
فلقد جاء في التّفسير الكاشف لمحمد جواد مغنيّة ما يلي: "اتفق المفسرون من جميع الطّوائف والمذاهب الإسلاميّة إلا من شذّ، اتفقوا على أنّ هذه الآيات نزلت لبراءة عائشة من تهمة الزنا".
وثمّة طائفة كبيرة من كبار علماء الشّيعة ومراجعهم، ممن اتفقوا مع رواية أهل السّنة في قضية الإفك، كالشّيخ أبو جعفر محمد الطوسيّ في تفسير "التّبيان في تفسير القرآن"، وأبو الفتوح الرّازي في "رَوض الجِنان ورَوح الجَنان في تفسير القرآن"، والفضل بن الحسن الطبرسيّ في "مجمع البيان في تفسير القرآن"، ومنهم جعفر السبحاني، وناصر مكارم الشيرازي، وكمال الحيدري، وأحمد الوائلي، ومحمد حسن فضل الله، وياسر العودة، وغيرهم الكثير الكثير.
وأما الخلاف على عائشة رضي الله عنها فهو خلاف سياسيّ في قضيّة تاريخيّة سياسيّة، وهو خروجها على عليّ كرّم الله وجهه، فأنْ تكون مع رأيّ عائشة في خروجها على عليّ، أو لا تكون، أو أنّها خرجت فعلا أمْ لم تخرج، فهذا لا علاقة له بالدّين ولا بالإيمان، وإنّما هي قضية تُبحث في مسائل التّاريخ والسّياسيّة، أضف إلى أنّ عائشة رضي الله عنها، لها اجتهادها ورؤيتها وأعلم بالظّرف مِنّا جميعا، وبما أنّها اجتهدت وهي ليست معصومة حتما، فمن الممكن أنْ تُصيب وأنْ تُخطئ، في أمور الدّنيا، كالسّياسة والإدارة والاجتماع وغير ذلك.
ويتجلّى لنا، مما تقدَّم، أنّ كلّ القضايا الّتي قَسمت المسلمين إلى فسطاطين، هي قضايا مختلف فيها، هي نظريات لا بديهيات، هي تاريخ بشريّ لا نصّ قرآنيّ، فمنهم من قطع بها ومنهم من لم يقطعْ، وحتى تَسْلم أيّها المسلم، من الفريقين، يجبُ أنْ تعلمَ، أنّك لن تُسأل، عندما تأتي الله عزّ وجلّ فردا يومَ الحساب، عن علي والحسين، ولا عن عمر وعثمان، ولا عن معاوية ويزيد، ولنْ تُسأل عن أحداث السّقيفة وولاية أبي بكر وبيعة عليّ، ولا عن حرب الجَمَل وصفين، ولن تُسأل عن عين (المتَّهَم) أو (المتّهِم) في قِصة الإفك، ولن تُسأل عن أفعال الصّحابة أو عصمة الأئمّة، ولن تُسأل عن مذهبك أو طائفتك أو منهجك العلمي، أو شيخك أو حوزتك، بل ستُسأل عن فهمك للقرآن وتدبره والعمل بما فيه من عقيدة وعبادات وشعائر وشرائع ومعاملات وأخلاق وسلوك، وحلال وحرام، ومواعظ وعبر، ونصح وإرشاد، وآداب وفضائل.
ستُسأل عن أعمالك وأقوالك وأخلاقك وعن نوايا قلبك وبما فيه من خير أو شر، من حقد أو تسامح، من كراهية أو محبة، من رضى أو سخط، من حسد أو غبطة، من كِبْر أو تواضع، من صدق أو كذب. ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا، وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.