نحب بيروت رغم كل شيء

mainThumb

26-11-2022 03:24 PM

أرسلت لي إحدى الصديقات من بيروت قصاصة من جريدة «الأنوار» عمرها أكثر من عقدين (14ـ12ـ2002) وهي مقالة للدكتور جوزف عساف حول روايتي «سهرة تنكرية للموتى»، ومما جاء فيها: «قصة الكاتبة والروائية السورية غادة السمان (مع بيروت) قديمة، وككل عشق قديم يستمر زاخراً وقوياً وثابتاً.
وذلك الكلام الذي نشر قبل عقدين من الزمن ما زال صحيحاً.
وعلى الرغم من إقامتي منذ ثلاثة عقود ونيف في بيت باريسي جميل، يطل على برج إيفل الشهير ونهر السين، ما زلت أفتقد بيتي البيروتي وأحن إلى شرب القهوة على شرفتي المطلة على البحر.

لماذا؟

للمرة الأولى في حياتي الباريسية لم أذهب لزيارة بيروت الحبيبة منذ ثلاثة أعوام، وهو ما لم يحدث لي من قبل، حتى بعد وفاة زوجي البيروتي الأصيل المرحوم د. داعوق. لماذا؟ لأنني ببساطة لا أستطيع أن أتحمل انقطاع الكهرباء الدائم باستثناء ساعة في اليوم! ووداعاً للبراد، ومكيف الهواء، والمصعد والتلفزيون.. أعرف. سيقال لي: ثمة مولدات كهربائية، لكنني جربتها وأعرف متاعبها، فهي حين لا تتعطل عن العمل كأي ماكينة نفتقر إلى المازوت الذي يغذيها، وغير ذلك من التفاصيل التي أعفي القارئ العربي منها، وبالذات الذي يعيش في مدن ما زالت تنعم بالكهرباء.

مآسي لبنان تتكاثر

لم تعد بيروت «ست الدنيا» كما لقبها نزار قباني في إحدى قصائده، وكما لقب رئيس جمهوريتها برئيس «جمهورية العصافير» حين منحه رئيس جمهوريتها الجنسية اللبنانية. فلبنان لم يعد كذلك، وصار جمهورية الفقر والأحزان. ولكنني ما زلت أحب لبنان في ضائقته كما أحببته (أيام العز). هذا الوطن لا يستحق ما يلحق به من (قصاص) وأذى… والتفاصيل تطول! وأضحى بعض مودعي أموالهم في البنوك يهاجمونها كل على طريقته لاستعادة ودائعهم، فالمرء يضع ماله في البنك خوفاً عليه من السرقة، ولكن ماذا يحدث له إذا تحول البنك إلى سارق؟ الكهرباء صارت كلمة تذكارية في لبنان… وصار كل قادر على العمل خارج لبنان يهرب منه إلى مكان صالح للحياة وفيه الخدمات اللازمة للمواطن.

ولكنني ما زلت أحن لبيروت

رغم كل شيء، أخجل لأنني لم أزر بيروت منذ أعوام ولم أكن أشعر بالوحشة حين أعود إلى البيت وحدي (بعد رحيل زوجي) وأغلق الباب خلفي، لأن أبطال قصصي كانوا يخرجون من كتبي ويحيطون بي مرحبين وأحياء، وربما أكثر حياة من الناس في الشوارع.
ما أكاد أصل إلى بيروت حتى أغادر البيت للمشي على شاطئ البحر لأعتذر منه لأنني سطرت ذات يوم كتابي «لا بحر في بيروت» ولكن لا بحر في باريس أيضاً. وحين أعود إلى البيت يغلبني الصحو وأعي حقيقة بيروت هذه الأيام التي يسعى كثيرون للهجرة منها… فلماذا لا تعود بيروت مكاناً صالحاً للحياة والحب وتقبل الحنين إليها من كل من غادرها؟

السياسة ليست مهنتي

على الرغم من انعدام كتاباتي السياسية لكنني أعتقد أنه لا بد من عقاب بعض المسؤولين عن تحول لبنان من سويسرا الشرق كما كان البعض يلقبها، إلى بلد فقير… يضطر فيه من أودع نقوداً في أحد البنوك إلى التهديد بالعنف لا ليسرق البنك بل ليستعيد ماله من البنك السارق!
أعتقد أن الوقت قد حان لمحاكمة الذين حولوا لبنان من بلد من «العالم الأول» إلى «العالم الثالث»… ولكن لا حياة لمن تنادي. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يحصل لبنان على رئيس جديد للجمهورية، وغير ذلك من الانتخابات البرلمانية، فمن يحاول تجميد لبنان وامتصاص الحياة منه لكي يظل على حاله من البؤس والفقر؟
لا بحر في باريس أيضاً. وحين أعود إلى البيت يغلبني الصحو وأعي أنه من الطريف أنني حين أفكر ببيروت بكثير من الحنين أتذكر أكشاك باعة الصحف وبينهم من يعرضها على أرصفة شارع الحمراء، أما اليوم فقد غابوا كما بعض مكتبات الشارع (الحمراء) حيث المقاهي التي كان يجلس فيها الأدباء والسياح… أتذكر بحنين مقاهي «الهورس شو» و»الويمبي» قرب مسرح البيكاديلي وسواهما كثر.. ثم إن بعض الصحف توقفت عن الصدور، للأسف، في بيروت التي كانت عاصمتها، كما توقفت بعض دور النشر عن إصدار الكتب بغزارة كما من زمان.
زماننا ضد بيروت ولبنان، ولكنني ما زلت أحب بيروت، كما العاشق الذي يزداد حباً لحبيبته المريضة… وبيروت مريضة بأكثر من علة لا يجهلها أحد، فمتى يخجل الذين يرضون بذلك إكراماً لمصالحهم ولا يعني لهم الشعب اللبناني أكثر من بقرة حلوب! ولكن التاريخ علمنا أن أوضاعاً كهذه لا يمكن أن تدوم.. والمسؤول عنها سيلقى عقاب الشعب، وهو عقاب عادل مهما كان قاسياً، فمتى ينفجر الناس كقنبلة أحزان؟

إضرام النار في ذاكرتي!

ما من مغترب إلا ويتمنى العودة إلى الوطن على أجنحة الحنين.
لكن الغربة تعلم المرء دروساً كثيرة، منها الحذر من أن يركب القلب العقل ويلغي الحنين التفكير السليم.. لا أريد أن أقول: وداعاً يا لبنان الحبيب، بل أتمنى أن يلقى الذين حولوه إلى مزرعة فقر يهاجر الناس منها، أتمنى أن يلقوا العقاب العادل على جريمة محاولة اغتيال وطن عربي جميل اسمه لبنان. وعلى الرغم من كل ما كتبته اليوم في لحظة حزن وغضب، أتمنى أن يغفر لي القارئ إذا علم أنني ركبت أول طائرة وعدت إلى بيروت.. فالعشاق لا يخلون من الجنون.. وأنا عاشقة لمدينة بيروت التي عشت فيها طويلاً وأنجبت ابني فيها وعشقت فيها، وكتبت فيها ومنحت أبجديتي سحر الوحي.. فهل أعود؟
أم أموت في الغربة مهما كانت جميلة كمدينة باريس، حيث أعيش من زمان، لكنها الغربة!
ليتني أستطيع إضرام النار في ذاكرتي وأنسى ما كان من غرامي بلبنان.