جبهة النار وجبهة المعنى
في الحروب التي تعبر إلى وعينا عبر الشاشات الغربية، تتقدّم المأساة بوصفها بناءً بصرياً قبل أن تتجلى بوصفها خراباً بشرياً. يسطع الانفجار أولاً، ثم تنفتح الخرائط، وتتحرك الأسهم والدوائر، وتنتظم الأصوات الخبيرة حول الطاولة كي تعيد ترتيب النار داخل لغة باردة، دقيقة، منضبطة، تُلبس الكارثة هيئة مسألة تقنية. وفي هذا المسرح المسيطر عليه بإحكام، يأتي الإنسان متأخراً: جسداً أُخرج من تحت الركام، طفلةً مغطاة بالغبار، عائلةً تحمل ما تبقى من حياتها إلى رصيف مؤقت. يظهر هؤلاء كأطياف عابرة في هامش الصورة، قبل أن تستردهم سريعاً مفردات «الردع» و»الأهداف» و»الرسائل». وهكذا يدخل المشاهد الغربي إلى الحرب من بوابة الإخراج، وتغدو الشاشة جهازاً بارعاً في تهذيب العنف ومنحه شكلاً قابلاً للرؤية والاستهلاك اليومي.
التزوير المناسب في المكان المناسب
ومن هنا تنفتح المعضلة، فالتزوير العميق بأدوات الذكاء الاصطناعي وجد تربةً ممهدة له في صلب التغطية ذاتها. فقبل أن تنتج الخوارزميات صورها الزائفة، كانت الشاشات قد أنجزت نسختها المروّضة من الواقع: حرباً تُرى من أعلى، من منظور الطائرات وغرف العمليات، أكثر مما تُرى من مستوى الأرض التي تبتلع أبناءها. ومع الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل في الشرق الأوسط منذ أواخر فبراير/شباط 2026، بلغ هذا الخلل درجة أعلى من الانكشاف، لأن الذكاء الاصطناعي أضاف إلى الصناعة البصرية للحرب طبقةً جديدة من الصور والمقاطع والروايات القابلة للاختراع والتضخيم والتداول الخاطف. عند هذه العتبة، يكتسب الكذب قدرةً استثنائية على التشبه بالحقيقة، وعلى استعارة ملامحها وسلطتها الإقناعية، بينما يتحول الواقع إلى مادة مثقلة وبطيئة، تحتاج إلى من ينقّب عنها وسط الضجيج، كأن الحقيقة نفسها صارت واحدةً من الضحايا تحت الركام.
في هذه الحرب، تجاوزت الشاشات الغربية وظيفة النقل إلى وظيفة إعادة الصياغة. وقدمت رويترز مثالاً بالغ الدلالة على ذلك حين أشارت إلى مواد دفع بها البيت الأبيض والبنتاغون إلى بعض التلفزيونات الأمريكية، محمّلة بإشارات إلى عالم الألعاب الإلكترونية وأفلام البطولة الخارقة، من «كول أوف ديوتي» إلى «آيرون مان» و»توب غَن»، وإلى لقطات أرشيفية ألبست ثوب اللحظة الراهنة. وفي مثل هذا المناخ، يكتسب القصف إيقاع العرض، وتتخذ الحرب هيئة فرجة استراتيجية مشدودة الإخراج، بينما ينسحب الإنسان الجريح إلى أطراف الصورة. وبهذا الترتيب، يتبدّل موقع المشاهد: من شاهد على الكارثة البشرية إلى متلقٍّ يراقب الأداء والدقة والتوقيت ومسار الضربة، فيما يتراجع الخراب الإنساني إلى الطبقة الخلفية من المشهد.
هنا تحديداً تبدو المشكلة أعمق من مجرد وجود مواد مزيفة أو مضللة. فالتزوير العميق يبدأ أيضاً من القالب البصري الذي يستقبله ويمنحه شروط الاندماج. لقد اعتاد المشاهد، منذ عقود، رؤية الحرب عبر لقطات بعيدة، وخرائط متحركة، وصور ليلية خضراء، وتعابير تقنية عن دقة الإصابة ونوع الذخائر ومسارات الطائرات. وداخل هذا الإرث البصري، ترسخت مسافة نفسية وأخلاقية بين الجمهور وبين مادة الحرب نفسها. لذلك تجد الصورة المولدة أو المقطع المزيف بيئة مثالية للتماهي مع المشهد العام، لأن المحتوى الحربي نفسه صار شديد التصنيع، بحيث يضيق الفارق في عين المتلقي بين ما جرى فعلاً وما جرى توليده على هيئة واقعة.
قدّمت الحرب الجارية أمثلة كثيرة على هذا الارتباك. فقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بسيول من الصور والمقاطع الزائفة أو المضللة من مختلف الأطراف، واختلط فيها الأرشيفي بالمولّد آلياً، والمجتزأ بالمنسوب زوراً إلى اللحظة الراهنة. وفي المقابل، احتاجت المؤسسات الإعلامية المحترفة إلى زمن أطول بكثير كي تقاطع صور الأقمار الصناعية، وشهادات الشهود، وتحليلات الخبراء، والسجلات الزمنية، قبل أن تصل إلى روايات أكثر تماسُكاً. وقد بدا هذا الفارق الزمني حاسماً في وقائع احتاجت أياماً من الفحص المتأني قبل استقرار رواية أكثر صلابة حولها، ومنها الضربة الأمريكية التي أصابت مدرسة إيرانية للبنات. وهكذا يحسم الزيف انطباعه في دقائق، بينما تدخل الحقيقة إلى المجال العام مثقلةً بالبطء، متأخرةً عن أثر الوهم الذي سبقها إلى الوعي والوجدان.
التزوير العميق يفضح الإعلام التقليدي
ومن هنا يفضح التزوير العميق أزمةً أقدم من ظهوره نفسه. فمنذ حرب الخليج الثانية، راحت غالب التغطيات التلفزيونية الغربية تميل إلى تمثيل الحرب بوصفها مشهداً استراتيجياً قبل أن تكون تجربة إنسانية مفجوعة. انشغلت الشاشات بما تقوله الضربة، وما تشير إليه من رسائل، وما تحققه من ردع، وما تبدّله في ميزان القوة. وهذه أسئلة مركزية في صلب التحليل السياسي والعسكري، لكنها، حين تستولي على المشهد بكامله، تعيد تعريف الحرب على نحو يبتلع بعدها الإنساني، ويدفع المأساة إلى الخلف، ويحوّل الكارثة إلى فرجة مشحونة بالإيقاع والتفسير.
ولهذا السبب، تحوّل التحدي المركزي أمام الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي من مجرد السبق في نقل الخبر إلى بناء سلسلة تحقق موثوقة قبل تثبيت الرواية. وقد أشار معهد رويترز هذا العام إلى أن «عواجل التحقق» مرشحة لاحتلال الموقع الذي شغلته طويلاً «عواجل الأخبار». وتكشف هذه الملاحظة تحولاً عميقاً في وظيفة الصحافة: فالمهنة باتت تُقاس بقدرتها على صناعة الثقة قبل صناعة السرعة، وعلى اختبار الرواية قبل ضخّها في المجال العام. وهذا التحول يفرض على التغطية التلفزيونية إعادة النظر في منهجها كله: تخفيف سطوة الشاشة حين تكون مادتها ناقصة، ورفع مكانة المراسل الميداني، وخبير التحقق، والمصور العارف بالمكان، والشاهد الذي يمكن تقاطع روايته مع صور الأقمار الصناعية والسجلات الزمنية.
العلامات المائية للمحتوى
تسعى جهات عدة اليوم إلى تقنين إضافة العلامات المائية إلى محتوى الذكاء الاصطناعي، ضمن معايير تهدف إلى إثبات منشأ الملفات وتاريخ تعديلها ومسار تداولها. وتمتلك هذه الخطوة أهمية معتبرة، لكنها تلامس جزءاً من الأزمة أكثر مما تبلغ جوهرها. فالسؤال الحاسم يتصل أيضاً بما يجري للصورة بعد التحقق من مصدرها: كيف تُستخدم؟ وفي أي زاوية توضع؟ وأي لغة تحيط بها؟ فصورة موثقة المصدر قد تدخل في بناء يفرغها من معناها الإنساني، وقد تُستخدم ضمن ترتيب بصري يضاعف الإبهار ويحجز الفهم. ومن هنا تتسع القضية من سؤال «كيف نكشف الفيديو المزيف؟» إلى سؤال أعمق: كيف نكسر الصيغة التلفزيونية التي مهّدت لقبول التزييف، لأنها اعتادت من قبل أن تحوّل الحرب إلى عرض، والخراب إلى مادة قابلة للتنسيق.
خيانة المهنة: حق تعريف الواقع
يطرح التزوير العميق، في النهاية، سؤالاً سياسياً يسبق سؤاله التقني: من يملك حق تعريف الواقع؟ فالحرب التي أطلقها الأمريكي والإسرائيلي عبر الشرق الأوسط كشفت صراعاً بين صورتين متنافستين: صورة عسكرية رسمية تقدّم الحرب بوصفها عرض قوة محسوباً، وصورة أرضية يغمرها الركام، وتملؤها الأشلاء، والبيوت المفجوعة، والمدارس المهدمة، والوجوه الخارجة من الغبار، وهي تحمل أثر العنف على الجسد والذاكرة معاً. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليمنح هذه الصناعة البصرية قدرة أوسع على الانتشار والتمويه والإقناع.
وهكذا تدور المعركة اليوم على جبهتين متداخلتين: جبهة النار، وجبهة المعنى. وكل دفاع عن الحقيقة يحتاج إلى بنية تحقق صلبة، ومعايير منشأ واضحة، ومؤسسات صحافية تحترم مهنتها، وحس أخلاقي يعيد الإنسان إلى مركز الصورة. هناك، في البناية المنهارة، وفي الحي المحترق، وفي الوجوه التي تخرج من الغبار، تستعيد الحرب وجهها الفعلي، وتستعيد الحقيقة قدرتها على الحضور.
٭ إعلامية وكاتبة لبنانية
كيف سيعيد ترامب أمريكا عظيمة مرة أخرى
إيران الشارع الشعبي: منظومة الاستبداد وتراث الثورة
اصابة 21 صهويناً بصاروخ ايراني فجر الجمعة .. تفاصيل
هجوم صاروخي مركب على إسرائيل .. وأصوات الانفجارات تهز شمال الأردن
إغلاق مضيق هرمز: التأثيرات الكارثية على النفط والتجارة العالمية
اصابة 19 عسكرياً أميركياً في السعودية .. تفاصيل وتطورات
ضربة صاروخية تطال حاملة الطائرات أبراهام لينكولن
المغرب يستضيف الاجتماع المشترك المقبل مع التعاون الخليجي
التعاون الخليجي يجدد دعمه لمغربية الصحراء
مقتل 3 طيارين بإسقاط طائرة تموين أمريكية غرب العراق
إجراء عملية نوعية في مركز الملكة علياء لأمراض وجراحة القلب
خطوبة ابنة عبدالله الرويشد على الفنان محمد صفر تتصدر مواقع التواصل
أنتِ بأمان تتصدر بعد هبوط طيارة أميركية في الكويت
هيئة الخدمة تنشر الكشف التنافسي التجريبي 2026 .. رابط
صدارة مسلسلات رمضان تشعل أزمة بين مي عمر وياسمين
هل تنبأ الذكاء الاصطناعي بهجوم إيران
جلسة حوارية في اليرموك عن تمكين المرأة
موعد التسجيل لامتحان الثانوية العامة 2026
مستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط ورقة سياسات يعدها مركز دراسات التنمية المستدامة في اليرموك
التنمية المستدامة في اليرموك يطلق برنامج "سفراء الاستدامة"
نقل شيرين عبد الوهاب للمستشفى: ما السبب
ولي الدم في القيادة الإيرانية: الحرب تتجه نحو الانتقام
الخروج إلى البئر عودة جمال سليمان في عمل تتنازعه الخطوط السردية
الدول العربية تحذر .. إغلاق مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة

