هل يشملنا هذه الايام مفهوم المجتمع الواحد

mainThumb

27-11-2022 12:25 PM

كنت في رحلة الى مصر، زرت خلالها بعض الأماكن التي أصبحت مواقع سياحية، فيها بقايا للآثار الفاطمية والمملوكية والايوبية، وقد ذهلت من عظمة تلك المتبقيات من ابنية التي ان دلت على شيء فإنها تدل على عظمة من ترك تلك الاثار، وتمنيت لو أنى كنت أعيش أيام تلك الحضارات، لما يبدو انه كان فيها من الفخامة والعظمة ما تدل عليها تلك الاثار، خصوصا عند مقارنة ما نبنيه نحن الان مع ما تركوه لنا، وقد تأصل هذا الشعور عندي عندما سمعت حديث بعض السائحين غير العرب يتحدثون في نفس الاتجاه.
ولم تكن الاثار وحدها هو ما أدهشني في تلك الزيارة، اذ مررت في تلك الزوايا بمكتبة تبيع الكتب التي يمكن ان يستفيد منها الباحث في كل العلوم، وخصوصا الدارس او الباحث في اللغة العربية. وبالرغم ان الموضوع الاقتصاد والاسعار هو من أكبر المؤثرات في سير الحياة هذه الأيام، الا أنى وجدت ان تكاليف اقتناء مجموعة من تلك الكتب لا يزيد عن تكايف ركوب سيارة اجرة من وسط المدينة الى أي حي من الاحياء التي يعيش فيها الناس هذه الأيام في كل بلاد العرب، والتي ستذهب يوما ما الى عالم النسيان على غير ما ذهبت اليه اثار القدماء في مصر بل في كل بلاد العرب.
مثلا، وجدت كتابا – وقد قرأته – يتحدث عن اول الأبنية التي أقامها رسول الله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام منذ اول أيام هجرته للمدينة المنورة، الا وهو بناء المجتمع الذي كان الأساس الضروري لبناء الدولة فيما بعد، وفهمت ان الدولة – أيا كانت - لا تسمى دولة ولا يكون لها مستقبل ممتد الا إذا عاش الناس فيها على الشكل الذي يشمله تعريف المجتمع، ولا يستمر عيش الدولة الا إذا بقي الناس فيها يعيشون بحسب المتطلبات الأساسية لتكوين ذلك المجتمع.
وكانت الأسس التي استخدمها سيد الخلق في بناء المجتمع في المدينة المنورة فورا منذ وصوله اليها هي نفسها التي كان ولا زال يتحدث في بعضها علماء الاجتماع في كل بلاد الأرض ومنذ بداية التاريخ، فمثلا يقول أرسطو أنّ الإنسان بِطبعه اجتماعي، وبحاجة دائماً للعيش مع غيره فكأنه يشير الى ان الفرد هو الأصل الاهم في بناء المجتمعات، أمّا أفلاطون فقد ركّزت نظريته على الجماعة أكثر من الفرد، ثم بدأ حديث علماء الاجتماع بعد ذلك يمتد الى تطوّر مفهوم العقل الجماعي، والذي ركز على فكرة تطوّر الشخصيّة بناءً على تأثرها بالثّقافة والمجتمع المُحيط والى غير ذلك من المفاهيم.
ولكن المتعمق قليلا في تلك المفاهيم سيجد انها كلها تعبر عن مادية الأشياء أكثر كثيرا من تعبيرها عن معنوياتها، وهذا يؤكد الفرق بين العيش للدنيا فقط والعيش للدنيا والاخرة الذي يمارسه اتباع المعتقد الديني الإسلامي الذين لخص لهم علي ابن ابي طالب كرم الله وجهه نظام حياتهم في جملة واحدة فيها كل الأفكار والاتجاهات التي تميز اتباع العقيدة الإسلامية عن غيرهم حينما قال: (اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا).
ويعرف المجتمع في العصر الحالي بانه نسيج اجتماعي من صُنع الإنسان، ويتكوّن من مجموعة من النّظم والقوانين التي تُحدّد المعايير الاجتماعية التي تترتّب على أفراد هذا المجتمع الذين يجب ان يبقوا متمسكين بقيمه ومتماسكين لإبقاء المجتمع متماسكا، فمن دون الأفراد تنهار المجتمعات وتنعدم، ويتأثر الفرد بالمجتمع كما يتأثّر المجتمع بالفرد، فعلى سبيل المثال إذا كان المجتمع يعاني من تفشّي ظاهرة البطالة، وارتفاع مستوى الجريمة، واكتظاظ الطلبة في المدارس، فسوف يتأثّر أفراد هذا المجتمع سلباً نتيجةً لهذه العوامل.

وحسب تعريفات المجتمع الحديث ، حتى بدون الأخذ بعين الاعتبار ما قصده علي بن ابي طالب في التعامل مع متطلبات الحياة الدنيا والحياة الآخرة فان الذي يحدد المجتمع فهي والرغبات والطموحات والتوقّعات التي يشترك في معرفتها والعمل على تحقيقها كل افراد المجتمع مع الالتزام طبعا بالقوانين والأنظمة الحاكمة فيه، وان التواصل بين الأفراد فيه هو من أهمّ العوامل المؤثّرة على الصّحة النّفسيّة في ذلك المجتمع، ومن المعروف والمألوف انه دون مجتمع وعلاقات اجتماعيّة مترابطة ينهار الإنسان جسديّاً ومعنويّاً، فالإنسان يبدأ من صغره عادةً بتكوين علاقات اجتماعيّة أوّلها مع أمّه وابيه، ثمّ أسرته ثم البيئة العامة التي هي المجتمع، وحتى وان كانت نشأة الانسان كانت في مجتمع مختلف كما يحصل مع المهاجرين حول العالم فان بقاء الإنسان صحيحا على قيد الحياة مرتبط بقدرته على التعايش في ذلك المجتمع، يأكل خبزه ويشرب ماءه، ويتعلم على يدي مدرسيه ويلتزم بالقوانين والأنظمة الحاكمة فيه شاء او ابى.

وهنا بدأت ابحث في المجتمع الذي أعيش فيه الان، هل هو فعلا مجتمع بمعنى الكلمة؟

وجدت خلال بحثي بين الأشياء وبين الناس ان مصطلح المجتمع غائب عن حياة الدوائر التي يعيش فيها كل منا، ولا اغالي ان قلت بانه حتى المجتمعات الضيقة عندنا، واقصد بذلك الاسرة، يختلف فيه الافراد في الطموحات والرغبات والتوقعات، مع ان معظم الاسر لا زالت تجتمع فيها ثلاثة أجيال، اقصد بذلك الاسر التي يلتقي فيها الإباء والابناء والاحفاد، الا انها من النادر ان تلتقي على هدف او طموح مشترك، وإذا كان هذا هو حال الاسر عندنا فكيف هو حال المجتمع الأكبر؟

ومن اغرب ما يفسر به بعضنا واقع المجتمعات في بلاد العرب انه يبدأ تفسيره باستخدام في غير محله للقول الكريم (لا تهدي من أحببت ان الله يهدي من يشاء) وينسى قوله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)، ولأنه ليس في كلام الله تناقض فانه من الواضح ان هناك قلة معرفة بقصد القران وان من المؤكد ان التناقض هو في فهم الناس والتزامهم بحقيقته وجوهره من خلال معرفته وفهمه.

وبناء على كل التريفات والمفاهيم العلمية واللغوية لمصطلح المجتمع فانه لا شك ان واقع الامة متهالك، وهو في حاجة الى تحديد صورة وبناء مناسب لمجتمعها او حتى مجتمعاتها ان وافقنا على التجرثم المناسب، وان بقيت الامة على ما هي عليه الان فإنها ذاهبة للضياع ولا محالة.