أكتوبر الثاني .. والتداعيات

أكتوبر الثاني ..  والتداعيات

09-10-2023 02:29 AM

هذه هي الكفّ التي لاطشت المخرز وأدمته.. هذه هي غزة تهز كل ما تبقى، هي غزة البائسة والفقيرة والحزينة تنفجر دفعة واحدة بما يفوق كثيراً واقعها وإمكانياتها، لتصنع واحداً من مستحيلات الواقع الذي بدا عصيّاً.
ما الذي حدث؟ حلم كبير في جانب، وكابوس أكبر على الجانب الآخر الذي ظن أنه ينام على حرير فائض القوة.
«يوم كيبور» جديد بعد خمسة عقود على الأولى لم تشف منها الذاكرة الإسرائيلية بعد لتتلقى أُخرى بعد نصف قرن. صدمة وذهول وفاجعة سادت في ساعاتها الأولى، ولن تغادر التاريخ الإسرائيلي الذي استدعى لنفسه كل هذه الحروب، وأصر على أن يعيش على السيف مُدمًى وجريحاً وملاحقاً. أضاعت إسرائيل كل الفرص العام 2000، وكانت اللحظة فارقة في تاريخها، فقد انهزمت أمام قوة «حزب الله»، وفي نفس اللحظة كانت تمارس الخديعة مع ياسر عرفات رجل السلام لتعيد صياغة عقل المنطقة نحو فعالية السلاح، وقد كان.
انهيار لم يتوقعه الأمن الإسرائيلي في أسوأ كوابيسه. كيف تدخل غزة ذات التصنيع العسكري المنزلي لتجتاح بلدات ومدناً بهذه السهولة؟ كيف كان الجيش والأمن نائمَين؟ وأين كانت الدولة التي لا تكف عن استعراض قدراتها الاستخبارية والتكنولوجية والذكاء الاصطناعي، ومجسات الأمن ومراقبة الأنفاس وكروكي البيوت، وحركة الناس في غزة وشوارعها ورصد غرف نومها وحساب أنفاسها؟ كيف تبخر كل هذا؟ الحساب عسير؛ فالفشل الاستخباري ذريع.
وهْم القوة وغرورها.. عنجهية التاريخ.. ادعاء التفوق القومي والعسكري والأمني والعلمي، وكل شيء، أصاب دولة بعمى القوة فأعجزها عن رؤية الفرص والتقاطها.. احتقارها للأنداد والخصوم بلا حساب ودون أن تحسب أن لسعة البعوض تدمي الفيل. كان نتنياهو يختال في الأمم المتحدة، يتحدث عن الإقليم وعن التطبيع، ويتحدث عن الفلسطينيين باعتبارهم مجرد حشرة يجب ألا تقف عائقاً أمام الدول الكبرى، ليكتشف أن أصغر منطقة في فلسطين ستصيبه بهذه الفضيحة التي ستكتب نهايته مكللاً بالعار.
ما حدث أقرب للخيال من منطق الحروب. كيف تفيق الدولة المدججة والمحصنة خلف الكتل الإسمنتية ذات صباح وتجد كل هذا العدد من المقاتلين داخل البلدات، وبكل هذه السهولة، كأن سنوات من التحصين وكاميرات الذكاء الاصطناعي، وجدار بارليف الثاني، يتم اقتحامها بكل تلك السهولة. وكيف يقع هذا العدد من الأسرى بيد المقاتلين؟ وكيف تنهار المواقع العسكرية بلا مقاومة؟ تساؤلات ستطيح بكل الرؤوس.
بالغت إسرائيل في احتقار الفلسطينيين، وبالغت في إنكار الواقع حد الجنون، وبالغت في الإمعان بالنيل من واقعهم ومستقبلهم وكرامتهم وقدسهم وأقصاهم. استنفرت كل ما فيهم من كرامة مهما كلف الثمن. فمن فتح هذه المعركة كان واضحاً أن خصمه بالغ في امتهان كرامته ولم يعد يأبه بما يخسره. كيف دفعت إسرائيل المنطقة لكل هذا وتدفع ثمنه؟ فقد سجل اقتحام المقاتلين من غزة أكبر ضربة للأمن الإسرائيلي، ليس فقط لقوة الردع التي يجري منذ أشهر الحديث عن تآكلها.. هذه المرة جرى انهيارها وسقطت الهيبة، ولن تتمكن من استعادتها مهما فعلت واستخدمت من قوة ضد غزة.
كيف ستستعيده إسرائيل التي تلقت هذه الضربة القوية؟ مجازر ضد غزة؟ وهل توقفت هذه؟ فمنذ أشهر قليلة فقط كانت تلقي بحممها على القطاع دون أن تبحث عن حلول. استمرت في حصار القطاع بلا رحمة، واستمرت في اجتياحات الضفة، ومشاهد حرق حوّارة في الذاكرة الفلسطينية، وصرخات الاستغاثة من نساء القدس، والمساس بالأسرى والتضييق عليهم، واقتحامات الأقصى التي يحرض عليها الوزير إيتمار بن غفير والذي تلقى تحذيرات من أجهزة الأمن بأنه يحمل عود ثقاب يطوف به وسط مخازن البارود، ولكن الغطرسة أبعد من أن تفهم أن صراعات الشعوب ليست لعبة ساذجة في أيدي الهواة الراسبين في علوم السياسة وساقطيها.
منذ أيام فقط كانت الذاكرة تعود لمفاجأة أكتوبر، ومراجعة لجنة أغرانات، ورأس رئيس الاستخبارات إيلي زاعيرا، ورئيس الأركان دافيد إليعازر، وإذ بأكتوبر جديد يتجسد ذات فجر في غرفة النوم. أي لجنة تحقيق جديدة ستكون؟ وكم عدد الرؤوس التي ستطير؟ ومن القاضي الذي سيترأسها؟ إنها هدية غزة وقواتها للجهاز القضائي في إسرائيل للانقضاض على نتنياهو في ذروة معركته، وهدية للبيت الأبيض ستخلصه من كابوس نتنياهو وظله الثقيل إلى غير رجعة، وهو حلم الحزب الديمقراطي منذ أكثر من ربع قرن. فهو أول ضحايا الحرب التي سالت على أرض المعركة؛ فقد جعل الإسرائيليين يدفعون كل هذا الثمن، وحطم كل الفرص، وناور على الجميع، وها هو يقع.
لجنتا تحقيق شكّلتهما إسرائيل منذ قيامها بعد حروب بادر إليها العرب، وستكون اللجنة الثالثة بعد أن تنتهي الحرب التي بدأت بالأمس. قد يكون من المبكر الحديث عن نتائج في بدايات الحرب، لكننا أمام حدث ستكون له تداعياته الكبرى جداً، وأثمانه غير القليلة، وأبعاده التي ستطال إستراتيجيات كبرى في السياسة كانت ثابتة لعقدين ما قبلها ليس كما بعدها.. التحولات ستطال كل شيء.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ضبط عيادة تجميل غير مرخصة داخل ناد رياضي في عمان

تتويج الفائزين من جائزة أورنج للمشاريع الريادية

عقوبات لندن الأحدث: غضب إسرائيلي وتلميح أمريكي بالرد

لمسة جورجينا: التغيير المفاجئ على طائرة رونالدو الخاصة.

الاحتلال يهدم 10 مساكن ويدمر مصادر المياه والطاقة في مسافر يطا

300 شركة ناشئة في الأردن .. لماذا يبقى التوسع خارجيا هو التحدي الأكبر؟

سر الـ 20 مخيما: القصة الكاملة لأزمة برنامج "أردننا جنة" في وادي رم

الأردن يمنح استثناءات وامتيازات جديدة لحراس المسجد الأقصى

التعليلة في الزرقاء .. ما قصة المساحة الجديدة؟

295 مليون دولار للناقل الوطني .. لجنة البيئة والمناخ النيابية توضح دلالات التمويل

التيه الشعبي العربي ..

كنوز على أرصفة دمشق .. كتب قديمة قد لا تجدها في المكتبات

الأردن يحتفي بالوفود المشاركة في بطولة آسيا للكراتيه

محافظ إربد يبحث مع نقابة الصحفيين تعزيز التعاون ودعم العمل الإعلامي

الرقم الحقيقي للشكاوى التي عالجتها "الصناعة والتجارة"

إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً

تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة

فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها

من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟

إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي

تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده

توضيح من الملكية بشأن حركة الطيران ومواعيد الرحلات

مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند

تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور

بسبب وجود تهديد .. رسائل تحذيرية على هواتف مواطنين بالأردن

من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله

مجلس الوزراء يقر حزمة قرارات تشمل التعليم والطاقة والطفولة والجامعات

بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟

الملك يكرم شخصيات بارزة في مركز التميز

من 33 نهاراً إلى 17 ليلاً .. تغير ملموس على أجواء الأردن