أغنية لم يكتبها شكسبير

أغنية لم يكتبها شكسبير

07-04-2026 12:50 AM

في مسرحيته الشهيرة «روميو وجوليت»، قدم وليم شكسبير قصة بدت لقرون طويلة وكأنها النموذج الأعلى للحب. قصة صار العشاق يقيسون عليها مشاعرهم، وصارت المأساة فيها شرطاً غير معلن لخلود العاطفة.
بقيت هذه الحكاية علامة على هيئة ستارة عاطفية تختبئ خلفها كل قصص الغرام الحزينة، حتى كأن الحب لا يكتمل إلا إذا انتهى بكارثة.
ومع أن لكل شعوب العالم حكاياتها الخاصة عن العشاق الذين انتهت قصصهم بنهايات موجعة، بعضها أكثر رهافة وأكثر صدقاً وربما حتى أكثر رومانسية، لكن روميو ظل العاشق الأشهر، وبقيت جوليت الاسم الذي يتردد في الحياة والكتب وعلى ألسنة المحبين. حتى إن شرفتها في فيرونا تحولت إلى مزار يقف عنده العشاق ليتأملوا فكرة الحب كما دونتها مسرحية شكسبير، التي لا تشبه تلك التي تستقر في القلوب وهي تتولع بالعادة لبرهة من الزمن، ثم سرعان ما تنطفئ تحت وطأة ظروف الزمن وعبء الحياة اليومية.
لكن ماذا لو نظرنا إلى هذه القصة بعيداً عن سحر اللغة وعبقرية البناء المسرحي الشكسبيري؟!
ماذا لو جردناها من هالتها الأسطورية؟ سنجد شابين صغيرين يكادان يخرجان لتوهما من مراهقتهما، تعارفا لأيام قليلة، ثم انتهت حكايتهما بموت ستة أشخاص.
هنا يبدأ السؤال الذي نتجنبه دائمًا: هل هذه قصة حب فعلاً، أم أنها دراما عن الاندفاع والعنف، عن هشاشة العاطفة حين تختلط بالغرور والتعجرف الشخصي والعناد والخوف؟
في المقابل، لو عدنا إلى تاريخنا العربي، سنجد قصصاً لا تقل التماعاً، لكنها أكثر التصاقاً بالحياة. قيس وليلى، جميل وبثينة، كثير وعزة… أسماء لم تكن تحتكر البطولة في حكايات، كانت في الواقع أصواتاً شعرية ملهمة، تركت لنا قصائد تمشي بين الناس وتؤثر في وجدانهم حتى اليوم.
لم يكن الحب فيها لحظة اشتعال تنتهي بالموت، الحب في قصائدهم تجربة ممتدة، وصبر، وشوق، وانتظار محموم بالمطاولة، وذاكرة طويلة من الألم الجميل.
الحب في تلك القصص بمثابة إقامة داخل الشعور العاطفي نفسه؛ لا يحتاج إلى موت ليُثبت صدقه، لأنه وجد من أجل حياة كاملة يُعاش فيها بكل ما فيها من نقص وتعب وتوق. ولهذا، بقي حياً في اللغة بكل ما تنطوي عليها من غناء ولهفة وحنين مشدود بقوة الحياة.
في حياتنا اليومية أيضاً، وبعيداً عن الكتب والمسرحيات، هناك قصص حب تستحق أن تُروى، لكنها تمر بصمت. في شوارعنا ومدارسنا والحارات الضيقة الخلفية لمسرح الأحداث الكبير، يمكننا أن نعثر عليها في المقاهي الصغيرة، نتتبع عيوناً تلتقي، وقلوباً تتعب، ووعوداً تُبنى ثم تُهدم، دون أن يدونها أحد، ولعل أجمل ما فيها هي قدرتها الهائلة على الكتمان في زمن يخضع كل شيء فيه تقريباً إلى المكاشفة والاستعراض.
هذه القصص ليس مصيرها الانتحار، وليس بمستطاعها أن تتحول إلى أسطورة، لأنها تحمل شيئاً أكثر ندرة: هو ذلك الصدق الذي لا يأبه بالخلود.
الحب الحقيقي لا يحتاج إلى تناول السم، ولا إلى التلويح بالخنجر، أو مشهد أخير يصفق له الجمهور. الحب يُقاس بمدى قدرتنا على العيش معه بصحبة أفظع عاداتنا اليومية. لأنه ليس لحظة مأساوية مكثفة، الحب زمن طويل من التفاصيل الصغيرة: رسالة تُكتب مع الترقب اللذيذ، بينما تتعانق الأيادي في لحظة ضعف، وضحكة تنقذ يومًا كاملًا من الانطفاء.
يا سيد شكسبير، ربما كان الأدب بحاجة إلى المأساة ليخلد نفسه، لكن القلوب لا تحتاج إلى كل ذلك الألم. القلوب تعرف كيف تحب دون أن تموت، وكيف تستمر رغم كل ما فيها من هشاشة. هل رأيت يوماً كيف تنام قلوب العاشقات بعد أن يهدأ العالم؟ كيف تتحول الأغاني إلى وسائد خفية، وكيف تهرول الضحكات داخل الأحلام كأنها تعويض سري عن كل ما لم يحدث؟
الحب ليس مناسبة للحزن، ولا طقساً للبكاء الجماعي، ولا اختباراً للقسوة. الحب، في جوهره، فعل من أفعال الضوء؛ هو ذلك الفرح الصغير الذي يتسلل كل يوم ليقول إن الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تُعاش.
وربما لهذا، حين نغني مع ماجدة الرومي كلمات نزار قباني المرتبكة الصادقة، نشعر أن الحب ليس وعداً يمكن الوفاء به، بل حالة نتورط فيها، نكذب فيها من شدة الصدق، ونضع أنفسنا أمام أشياء أكبر منا؛ لعلها تقاوم لحظة انتفائها في قرار المزاولة الدائمة.
وعدتك أن لا أحبك
ثم أمام القرار الكبير، جبنت
وعدتك أن لا أعود
وعدت.
وأن لا أموت اشتياقاً
ومت
وعدت مراراً
وقررت أن أستقيل مراراً
ولا أتذكر أني استقلت.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد