معنى فلسطين: قضية حبّ ومسألة عدالة
21-05-2026 11:40 PM
ليست لديّ أيّ ذاكرة حقيقية عن أريحا، سوى أثر خافت تركته صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، بالية الأطراف، في داخلي. فيها نقف أنا وأختي راغدة إلى جانب الخيول البيضاء المنحوتة في جدران حديقة الفندق في أريحا، حيث كانت عائلتي تذهب لتناول الغداء في عطلات نهاية الأسبوع. كانت الطريق من عمّان تستغرق أقل من ساعتين. لا بدّ أنّ الصورة التُقطت عام 1966 أو مطلع 1967، قبل أشهر من حرب الأيام الستة. فتّشت عنها في كل مكان حين بدأت كتابة «هذه الحياة العربية: رحلة جيل إلى الصمت».
بعد الحرب، لم أرَ فلسطين مرة أخرى. ولم أعثر أبداً على تلك اللقطة.
كثيراً ما يسألني أصدقاء من خارج هذه البلاد: ما الذي يجعل فلسطين عصيّة على الفكاك من قلوب العرب الذين يحبّونها؟ وما الذي يبعثه هذا المكان من حنين يتجاوز الأجيال، والبلدان، والأديان والطوائف، بل حتى السياسة نفسها؟ تلك هي المسألة التي حيّرت الإسرائيليين فينا أكثر من أيّ مسألة أخرى: نحن الجموع الممتدة في فضاء شاسع يصل حتى موريتانيا. وفلسطين هي نقطة الالتقاء الوحيدة لكثيرين منّا، نحن الغرباء عن بعضنا، بل الخصوم في قضايا لا تُحصى: فلسطين القضية، فلسطين المبدأ وجوهره، فلسطين البعيدة عن الأيديولوجيات وانقساماتها، وعن السياسيين ومعسكراتهم، والأنظمة وأجنداتها. ولطالما تساءلت: كيف يمكن لهذا الحب، لهذا الشوق إلى ذلك الأفق، أن يظلّ لغزاً للآخرين، خصوصاً الإسرائيليين؟ من الناقورة في جنوب لبنان، لا تبعد حيفا أكثر من خمس وأربعين دقيقة بالسيارة؛ ومن غور الأردن، يمكن رؤية أضواء القدس عند الغروب؛ ومن هضبة الجولان، قد لا تستغرق الطريق إلى طبريا أكثر من أربع ساعات بالدراجة، أن تفتقد فلسطين هو أن تفتقد أباً أو أمّاً، أختاً أو أخاً ضائعاً.
أيستعصي فهم ذلك حقاً؟
لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى ألبير كامو، الـ pied-noir، الذي ظلّ حبّه للجزائر يتصارع مع التزامه بالعدالة للجزائريين ونضالهم من أجل الاستقلال. «الناس يزرعون القنابل اليوم في تراموايات الجزائر العاصمة. ربما تكون أمّي في إحدى تلك العربات. إذا كانت تلك هي العدالة، فأنا أفضّل أمّي»، هكذا أجاب طالباً جزائرياً في المؤتمر الصحافي، الذي أعقب نيله جائزة نوبل عام 1957. وربما اختزلت «اللوموند» موقفه، بشيء من الإجحاف، في العبارة التالية: «أنا أؤمن بالعدالة، لكنني سأدافع عن أمّي قبل العدالة». وفي النهاية، بالنسبة إلى ذلك الوجودي الفرنسي المولود في الجزائر، ابن المستوطنين، حُسم الخيار المؤلم بين ما يشتهيه القلب وما يعرفه العقل ظلماً: انتصرت فرنسا الأمّ. فكيف لا يكون مثل هذا الحب، بالنسبة إلينا نحن المشرقيين، أشدّ عمقاً بما لا يُقاس، حين تتماهى فلسطين والعدالة إلى هذا الحد؟ في الواقع، بالنسبة إلى كثيرين من أوائل المستوطنين الصهاينة، حتى الأكثر تطرّفاً وتشدّداً بينهم، كان تعلّق الفلسطينيين بفلسطين حقيقةً صارخة: حقيقة لا جدال فيها، جليّة للعين، راسخة لا تتزعزع. وفي إسرائيل اليوم، من المرجّح جداً أن يُوصَم أمثال زئيف جابوتنسكي بالهرطقة، أو بالخيانة على أيدي أمثال إيتمار بن غفير. لم يكن في رؤية الأب المؤسّس للصهيونية التصحيحية أيّ قدر من المساومة. كان جابوتنسكي يريد فلسطين كلّها وأكثر. أرادها «أرض إسرائيل»، قلعةً وراء جدران حديدية. أراد أن يختفي معظم عربها الفلسطينيين، وأن يُخضع الباقين. كان يعرف أنّه لا بدّ من إراقة الدم، وارتكاب التهجير الجماعي، وفرض الإذعان، وخنق الأمل. كان يعرف كلّ ذلك لأنّه كان يدرك مدى عمق تعلّق الفلسطينيين بأرضهم. «إنهم ينظرون إلى فلسطين بذلك الحبّ الغريزي والوله الصادق ذاتهما اللذين نظر بهما أيّ أزتكّي إلى مكسيكه، أو أيّ فرد من قبائل السيو إلى مراعيه»، كتب على الجدار الحديدي عام 1923. ومن خلال هذه الكلمات، تتكرّس، قبل أيّ شيء آخر في نظره هو نفسه، هوية الفلسطيني بوصفه ابن البلاد، وهوية جابوتنسكي بوصفه المستوطن الكولونيالي. ثم تابع: «يحاول دعاة التسوية بيننا إقناعنا بأنّ العرب مجرّد حمقى يمكن خداعهم بصياغة أكثر ليونة لأهدافنا، أو أنّهم قوم جشعون سيتخلّون عن حقّهم الموروث في فلسطين، مقابل مكاسب ثقافية واقتصادية. وأنا أرفض هذا التقييم للفلسطينيين رفضاً قاطعاً». لكن ما أشدّ تعبنا من استحضار جابوتنسكي، شاهداً لنا، أمام أجيال متعاقبة من الإسرائيليين المعاندين، ومن بينهم أكثر أتباعه حماسةً. لم نكن نستحضره أملاً في دحض مزاعمهم حول فلسطين ــ فالتاريخ نفسه كافٍ لإدانتها ــ بل لنؤكّد لهم حقيقة بالغة البساطة: قد تحرمنا الهزيمة في الحرب من الأرض، لكنها لا تستطيع أن تطفئ حبّنا لها. والأبلغ دلالةً أنّ هذا الاقتلاع المتواصل لا يفعل سوى تعميق الظلم الأصلي وتعزيز الإصرار على رفعه. لكن قلّة قليلة من بينهم فقط رأت وفهمت ما ينطوي عليه ذلك الظلم من تبعات، عليهم هم، لا علينا وحدنا. فهل أجرؤ على القول، إنني أعتبرهم رفاقاً في الضمير؟ لكن من في إسرائيل اليوم يُصغي إلى أمثال زئيف شترنهيل، وجدعون ليفي، أو عومر بارتوف؟ إنّ الصراع على فلسطين مستمر وسط إجراءات وحملات إسرائيلية تزداد قسوةً باطّراد، كلّها تُشنّ لقتل هذا الحبّ الراسخ. غزو وتهجير وإخضاع وتطهير عرقي وفصل عنصري ومذابح، والآن إبادة جماعية، كلّها، في الجوهر، محاولات لقطع رابطة لا تزداد تحت الحصار إلا قوّةً ورسوخاً.
لقد خلّف هذا العجز الإسرائيلي عن الفهم تبعات مدمّرة على شعوب المشرق. لقد دفعنا إلى أقاصي اليأس؛ ودفع الإسرائيليين إلى الجنون. وبعد ما يقارب قرناً على هذه المأساة، يرزح الفلسطينيون تحت هجوم مروّع يستهدف وجودهم ذاته؛ فيما ترزح معظم مناطق الجنوب السوري تحت الاحتلال؛ ويخضع الجنوب اللبناني المحترق لخطوط «أمنية» إسرائيلية تتّسع باطّراد. أمّا الأردن، ذلك النموذج الذي يلجأ إليه أصدقاء إسرائيل كلّما أرادوا الاستدلال على الإمكانات الحقيقية للسلام، فيعيش هاجس أن يُدفَع مئات آلاف الفلسطينيين، في نهاية المطاف، من الضفة الغربية إلى جانبه من الحدود.
في الخامس عشر من مايو، تمرّ ثمان وسبعون سنة على بداية رحلة الفلسطينيين الطويلة مع الفقدان. وهي رحلة لم تنتهِ بعد. وفي عام 1948، أُلقينا نحن أبناء المشرق بدورنا في ملحمتنا الخاصة مع الدولة اليهودية. وهي أيضاً لم تنتهِ بعد. لقد تغيّر وجه المشرق بأسره. وعلى امتداده، صعد أبطال وسقطوا، وارتفعت حركات كبرى ثم انهارت، واقتتل الأخ مع أخيه، والطاغية مع المستبد، والمقاومون مع الغزاة والمحتلّين. ومع ذلك، لا بدّ من القول إنّ فلسطين لم تكن وحدها موضوع تطلّعاتنا، ولا السبب الوحيد لانكساراتنا. وبالمثل، لم تكن إسرائيل المصدر الأوحد لمآسينا، ولا السبب الرئيسي لإخفاقاتنا. ومع ذلك، ها هي لا تزال تنتصب اليوم، القضية التي قد تجد عبرها حلول كثيرة طريقها إلى النور.
كاتبة لبنانية
وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027
الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية
الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار
5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة
مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية
انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء
ميتا تدخل عالم الروبوتات البشرية عبر "ماكس"
فريق الاتحاد في صدارة دوري المحترفات لكرة القدم
توقيع اتفاقية لتعزيز الاستفادة من خدمات الاستعلام الائتماني
الإحصاءات العامة تمدد أعمال التعداد لاستكمال تغطية جميع مناطق المملكة
تفاهمات 4 كتل نيابية تسبق افتتاح الدورة العادية وحسم مواقع "المكتب الدائم"
وزارة العمل: تحديد الفئات الملزمة بإصدار تصاريح العمل .. تفاصيل
ارتفاع أسعار المنتجين الصناعيين لشهر أيلول بنسبة 5.41 بالمئة
سلف إلكترونية لمنتسبي الأمن العام عبر "صندوق الائتمان العسكري"
أعضاء مجلس مفوضي البترا التنموي السياحي يؤدون القسم القانوني
مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك
"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر
الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل
السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء
إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء
بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك
بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم
ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل
وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر
الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل
إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك
تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون
الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم
ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة
