لكي أتأكد من أنني لستُ في جهنّم

لكي أتأكد من أنني لستُ في جهنّم

20-05-2026 11:59 PM

في ظاهره، يبدو فيلم «استرداد الدين» الذي أنتجه ميل جيبسون وأسند مهمة إخراجه لبريان هيلجيلاند فيلماً عادياً، فالأفلام التي تتحدث عن مجرمين دخلوا السجون بسبب خيانة شركائهم لهم، وخرجوا من السجون للانتقام أو لاسترداد حصصهم من الغنائم، هذه الأفلام لا تعدّ ولا تحصى.
الإطار الخارجي للفيلم الذي استمتعتُ بمشاهدته ثانية قبل أيام، هو هذا تمامًا. لكن اختصار القصة إلى هذه الدرجة ليس منصفًا للفيلم أبدًا، لأنه لا يقوم على القصة بل على الطريقة الناجحة التي رُسمت بها شخصية «بوتر» بطلها، والتي يؤديها ميل جيبسون نفسه. إنها شخصية منسوجة بإتقان نادر، وقد جرى العمل على تفاصيلها بذكاء؛ ويعزز هذا: الحوار المقتضب الذي يميل إلى روح الشعر والإيقاع المتقن المنساب بحنكة، وموسيقى تصويرية غنية، وأجواء تختلط فيها ملامح أكثر من مدينة أمريكية، لكنها لا تفصح عن مدينة بعينها، كما أن اللعب بالزمن عبر تحديده وتغييبه في آن، كل ذلك رسخ قيمة العمل ورفعه إلى مستوى أعلى.
بورتر هنا هو اللص القذر، المتزوج المخدوع، العاشق الصادق، الرقيق، القاسي، الذي يتحول إلى رجل مبدأ حين يتعلق الأمر بحقوقه.
هذه التركيبة من الصفات هي ما يكوّن شخصية بورتر، ويدفع بها لتكون الشخصية النموذجية؛ ولكن أجمل ما فيه هو ذلك التصميم على استرجاع حقه كاملاً، دون أن يخطر بباله أن يأخذ بنسًا آخر فوقه.
مفاتيح كثيرة لهذه الشخصية يقدمها الفيلم، ولعل أولها ذلك الحسّ الرهيب بالتهوّر الذي يبديه بورتر حين يقرر مع زوجته وصديقه «فال» الاستيلاء على حقيبة مليئة بالنقود من إحدى العصابات، حيث يختصر بورتر كل الخطط الضرورية للنجاح، حين يلاحظ أن من يحملون الحقيبة لم يضعوا أحزمة الأمان. هكذا يقود سيارته، في أحد الأزقة الضيقة، بأقصى سرعة ويواجههم بعملية اصطدام مباشرة تمكّنه من الاستيلاء على النقود، غير آبه بأيّ خطر. لكن بورتر بعد ذلك يتلقى عدداً من الرصاصات من زوجته، لحظة اقتسام الغنيمة، بتحريض من صديقه «فال» الذي كان أحضر لها صورة تثبت أن زوجها على علاقة بالغانية التي يعمل سائقاً عندها.
حين يتركونه ملقى على الأرض متخبطًا بدمه بعد الاستيلاء على كامل المبلغ «140الف دولار»، يكون بورتر أكثر بكثير من نصف ميت. لذا، حين يجدانه أمامهما مرة أخرى، يكون الأمر أشبه بكذبة كبيرة من الصعب تصديقها من قبلهما.
يعود بورتر لا لينتقم تمامًا، بل ليسترد حقه لا غير. ويبدو أن إحساسه بالذنب بسبب خيانته لزوجته، لا يجعله ناقمًا عليها. وهكذا، حين تسنح له فرصة قتلها -كما تتوقع هي ـ لا يفعل، بل يغلق عليها باب غرفتها ليمضي بعد ذلك ليستحم؛ لكنه حين يخرج يجدها ميتة أو منتحرة بحقنة مخدرات.
ثمة قول عربي سائد وبأكثر من لهجة معناه «لا أريد غير حقّي»، ومن هذا القول ينطلق بورتر مقاتلاً بلا هوادة من أجل هذا الحقّ، بحيث لا يتورّع عن عمل أي شيء متحديًا كل من يقف في طريقه مهما كان حجمه، ومهما كان نفوذه.
«اللطيفون جيدون، إذا لم يقم أحد باستغلالهم»، يقول بورتر الذي يقوم مقام السارد من خارج الكادر أيضًا.
كما أن مفتاحًا آخر يقدّمه السيناريو، وإن كان على الجانب الآخر من الشخصية يتمثل في تصرفه مع صديقته بعد أن تجاوزا حدود علاقة العمل وصولاً للحب، حيث يخرج من عندها تلك الليلة ولا يعود إلا بعد أن حدث له كل ما حدث، بدءاً من إطلاق النار عليه وانتهاء بمحاولات تصفيته من قبل صديقه «فال» للمرة الثانية.
-»لماذا تركتَني بعد تلك الليلة؟» تسأله.
– «لأنه كان عليّ أن أقلّك «لزبون جديد» في الليلة التالية»، يردّ.
-كان يمكن أن تطلبَ مني أن أترك العمل.
– «كان يمكنك أن تطلبي مني أن آخذك إلى مكان آخر»، يردّ.
حوارات شفافة مقتضبة، تترك حولها فضاء من الكلمات التي لا تُسمع، لكنها موجودة ونحسّها، والتي تبيّن أن بورتر لا يقبل أنصاف الحلول. وليس ثمة مبالغة حين نقول: إن حوارات الفيلم قائمة على الحذف أكثر مما هي قائمة على عدد الكلمات الكثيرة التي تقال عادة، إذ يندفع هذا الحوار الذي يبدو أنه لم يجد جوابه الشافي لدى الاثنين، في نهاية الفيلم، عبر جملتين، منهياً ما ظلّ معلَّقاً بينهما.
– «كان يجب أن أترك العمل»، تقول له، من دون أيّ مقدمات لجملتها.
– «كان عليّ أن أصطحبكِ إلى مكان آخر»، يعترف.
كل هذه المفاتيح موضوعة بعناية في زوايا الفيلم، وبطريقة غير مباشرة. لكنها وإن كانت لأبواب متعددة، إلا أن هذه الأبواب تؤدي دائماً إلى أعماق بورتر الشائكة.
هل نحن أمام بطل سلبي؟ بالتأكيد؛ ولكنه الإنسان بصفاته كلها، ومن هنا تبدو أهمية شخصية بورتر في مغايرتها للمألوف.
لقد كان بإمكاننا القول إن تأرجحه على حافة الموت قد جعله بعد ذلك يُقبِل على الموت كشخص يلعب في الوقت الضائع، إلّا أن استرجاعه لتفاصيل السطو وإطلاق النار عليه من قبل زوجته، يثبت لنا أن ملامح شخصيته واضحة منذ البداية. ولعل ما يلفت الانتباه، أن بورتر يستعيد الحكاية بعد أن يخرج من الحمّام ويجد زوجته ميتة، حيث يستلقي إلى جانبها محدّقًا في السقف وينام، قبل أن يصحو على الطلقات تطل عليه من كابوسه وتستقر في جسده.
لا يتوانى بورتر عن فعل شيء من أجل استرداد «حقه» كما قلنا، بدءاً بقتل صديقه الذي خانه، وانتهاء بتورطه مع منظمة إجرامية كبيرة أصبح المال بحوزتها.
– «قل لي هل هي مسألة مبدأ؟» يقول له عرّاب المنظمة.
ويقول له رئيس المنظمة: أمن أجل 140 ألف دولار تفعل ذلك؟!!
فيرد بورتر: إنها 70 ألفًا، حصّتي|.
بل ويغيظ بورتر كثيرًا سوء الفهم الذي يُقابَل به، حين يظنّون أنه يفعل ذلك من أجل كامل المبلغ.
… …
يمكن الإشارة هنا إلى أن الأدوار الثانوية في الفيلم تبدو مكثفة وذات حضور، مهما كانت المدة التي يظهر فيها الممثل أو الممثلة على الشاشة، وهذا شيء كبير يحسب للفيلم، لأن أحدًا من لاعبيه لا ينحدر أبدًا إلى خانة الشخص الثانوي، كلهم يلعبون أدواراً رئيسية، ومحبوكون بعناية لا تقلّ عن العناية المبذولة التي أبدعتْ شخصية بورتر.
وبعــــد:
– «كان عليّ أن أراكِ لكي أتأكد من أنني لستُ في جهنم»، يقول بورتر لصديقته، في نهاية الفيلم. أما المُعلِّق السينمائي تيد أنطوني، فيقول: «في حين أن بورتر إنسان شرير جدًا، فإن ما يحيط به أسوأ منه بكثير».



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الكشف عن أخطر رسالة بين حماس ونصرالله صبيحة 7 أكتوبر .. ماذا تضمنت؟

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

إربد .. عشائر دوقرة تصدر بياناً بشأن انتهاك شبان حرمة المسجد

مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان

لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل

توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية

بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً السبت

إعلان النتائج النهائية لانتخابات حركة فتح اليوم

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

4 دنانير يومياً .. عروس تشترط مصروفاً يومياً للمعسل كيف رد العريس

حرمان الطالب من امتحان ومقاعد التجسير بهذه الحالة

أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل

مسيرة حاشدة إحياء لذكرى النكبة وتأييداً لمواقف الملك

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة الجامعة الأردنية (أسماء)