هل تنقذنا الرواية مرة أخرى أم نحن من سينقذها من موتها المزعوم
19-05-2026 12:27 AM
في كتابه «فن الرواية»، يقول ميلان كونديرا: إن الرواية هي التي جعلت الفرد يظهر على المسرح الأوروبي، ثم يضيف: إن الرواية وحدها تجعل الشخص غير قابل للاستبدال، لأنها تسلط الضوء على سيرته وأفكاره ومشاعره. عبارة كونديرا الأساسية هنا قاسية وجميلة؛ لأن الرواية وحدها من تفصل الفرد من الحشد وتجعله مرئياً.
في الزمن الذي غاب فيه كونديرا، يبدو العالم وقد صار شريط أخبار يتحرك بالثواني. في هذا الزمن تحديداً، يظهر طالب جامعي في الثانية والعشرين من عمره ليكتب رواية عائلية ملحمية عن أجيال وأسرة وأرستقراطية آفلة، وحروب، وذاكرة، وخراب أوروبي قديم. والمفاجأة ليست فقط أن الألماني نيليو بيدرمان كتب رواية ذات نفس ملحمي طويل، المفاجأة الحقيقية أن عدداً كبيراً من الناس قرأوها.
هذا هو الخبر الذي استوقفني مؤخراً: شاب من الجيل نفسه الذي تتهمه الصحافة بأنه لا يقرأ إلا التعليقات، ولا يصبر إلا على الفيديوهات القصيرة، يكتب رواية تبدو كأنها خرجت من زمن آخر، فإذا بها تتحول إلى ظاهرة. فروايته الأولى «لازار» نشرت في ألمانيا، ووصفتها دار نشرها بأنها ملحمة عائلية قوطية عابرة للأجيال عن صعود وسقوط أسرة أرستقراطية مجرية على خلفية الحربين العالميتين. كما يقول الناشر، إن بيدرمان المولود عام 2003، يدرس الأدب الألماني والسينما في جامعة زيوريخ، وإن الرواية حققت انتشاراً عالمياً وترجمت إلى أكثر من 25 لغة.
السؤال هنا هو: لماذا يحتاج القراء إلى رواية كبيرة الآن؟
ربما لأن قصص الدقائق السريعة أتعبت الناس. لقد ملوا من قصص الرحلات والمطاعم والحقائب والبراندات والوجوه المفلترة التي تمنحهم إحساساً زائفاً بأنهم يرون حياة الآخرين، بينما هم في الحقيقة يرون واجهات وفلاتر.. يتابعون نسخة قابلة للبيع من اليوميات، بعيداً عن عمق التجربة الإنسانية نفسها. تأتي رواية مثل «لازار» لتقول للقارئ: انتظر. لا تمرر إصبعك على شاشة جوالك. هناك أسرة كاملة يجب أن تتعرف عليها، هناك طفل غريب يولد ببشرة شفافة. هناك أب يخجل من ابنه. هناك بيت، وسلالة، وبلد يتغير، وقرن كامل يضغط على أجساد الناس وأسرارهم.
الرواية هنا لا تنافس الـ «تيك توك» في السرعة، هي تفعل العكس تماماً؛ تطلب من القارئ أن يبطئ، أن يعود إلى الجملة، إلى الرائحة، إلى الخوف، إلى التاريخ حين لا يكون عنواناً في كتاب مدرسي، بل جسداً يجلس على مائدة عشاء، أو أمّاً تخاف من طفلها، أو عائلة تواصل التظاهر بأنها لم تتفكك بعد.
لهذا قارن بعض القراء والنقاد تجربة بيدرمان بأعمال كبرى في تقليد الرواية الأوروبية العائلية: توماس مان، جوزيف روث، وربما حتى غابرييل غارسيا ماركيز في «مئة عام من العزلة»، من حيث تحويل العائلة إلى مسرح للتاريخ. يقول الناقد توماس روجرز في «نيويورك تايمز» أن اتساع الرواية التاريخي ونبرتها الغرائبية دفعا قراء إلى مقارنتها بتوماس مان وروث وماركيز.
توماس مان، الذي كتب «بودنبروك» ليمنحنا طريقة من أجل انهيار طبقة كاملة من داخل غرفة الطعام ومن داخل المرض ومن علاقات الزواج والمال والأبناء الذين لا يشبهون آباءهم، بالمصادفة بدأ كتابة الرواية وهو في الثانية والعشرين كذلك، تماماً كما يفعل سلفه القادم الجديد من عالم مختلف، وأنهاها بعد ثلاث سنوات، ونشرت عام 1901 حين كان في السادسة والعشرين.
كتب توماس مان روايته قبل انفجار عالم الصورة، وقبل أن تتحكم بنا الخوارزميات، وقبل أن يتحول الانتباه إلى سلعة وتسمى مشاهدة، وقبل أن يصبح طول البال نفسه فعلاً نادراً وربما بطولياً يحسد عليه المرء. أما بيدرمان فيكتب بعد كل ذلك. يكتب والإنسان محاصر بإشعارات لا تنتهي، وبعالم مترامي الأطراف يطلب منه ألا يتأمل، وألا يتذكر، وألا يغوص عميقاً.
هنا تصبح «لازار» علامة صغيرة على مقاومة داخلية. كأن القارئ يقول: نعم، أنا أعيش في زمن السكرول، لكنني لا أريد أن أكون كائناً سكرولياً فحسب. الرواية تعطيك زمناً بكل مفاتنه وعيوبه. المنصة تضعك أمام شخصية ناجحة أو حزينة أو مضحكة لمدة ثلاثين ثانية. الرواية تعطيك إنساناً حقيقياً يخطئ ويتناقض وينكسر ويعود يقطعه الحنين لعالم يتوارى أمام عينيه. ولهذا تبدو الرواية، في أفضل حالاتها، نوعاً من الدفاع صورة البروفايل
من هنا، يبدو لي أن رواية بيدرمان مفاجئة لأنها أعادت شيئاً ظن كثيرون أنه انتهى: شهية سماع الحكاية الطويلة بوصفها حاجة بشرية. قلت مرة في كتابي المترجم «إنقاذ حياة القطة» إن طريقة سرد الحكايات هي شفرة مدمجة في الحمض النووي للإنسانية. فنحن بطبيعتنا لا نحتاج فقط إلى معرفة لماذا حدث الذي حدث، نحتاج إلى معرفة كيف بقي الناس أحياء بعد كل ما حدث، كيف حملوا الهزيمة إلى وسائد النوم، كيف دخلت السياسة لتشوه الروح، كيف صار التاريخ مرضاً عائلياً ينتقل من جيل إلى آخر.
ربما لهذا ترك بعض أبناء جيل بيدرمان هواتفهم أياماً ليقرأوا عملاً ملحمياً. لا أعتقد أنهم صاروا فجأة قراء كلاسيكيين، لكنهم ربما بدأوا يشعرون أن «التايم لاين» لا يكفي ليفهموا أنفسهم. الرواية تفعل ذلك، تأخذك من ضجيج العالم إلى ضجيج أعمق: ضجيج الإنسان نفسه.
وهذا هو الفرق بين «الشخص» و»الإنسان». الشخص هو ما يظهر منه في تطبيق «إنستغرام». أما الإنسان فهو كل ما لا يظهر: الخوف الذي لا ينشره، الندم الذي لا يعرف كيف يسميه، ذاكرة العائلة، الخرافة الصغيرة التي يسكنها، الجرح القديم الذي يغير قراراته من دون أن ينتبه.
الرواية لا تنقذ العالم؛ فلنكن واقعيين. لكنها تنقذ شيئاً أصغر وأهم: قدرتنا على رؤية الإنسان في زمن يصر على تحويله إلى بيانات. وإذا كان شاب من جيل «السكرول» قد استطاع أن يكتب رواية تجعل قراء كثيرين يتوقفون، فربما لم تنته الحكاية بعد، ربما ما زال فينا استعداد غامض لإغلاق الهاتف، لا يعني ذلك كراهية عصرنا، ولكنها الرغبة العنيدة في أن نعيش خارج الشاشة.
نيمار في تشكيلة البرازيل لمونديال 2026
أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل
أن تشاهد التاريخ على شاشة «الراب»
هل تنقذنا الرواية مرة أخرى أم نحن من سينقذها من موتها المزعوم
أزمة مالي أم مشكلة دول ما بعد الاستعمار
هل أصبحت إيران ورقة تفاوض بين واشنطن وبكين
الأونروا: الحفاظ على أرشيف اللاجئين جزء من حماية الهوية الفلسطينية
الغذاء والدواء: ضبط مستحضرات تجميل غير مجازة تُروَّج عبر منصات التواصل
مقتل 8 أشخاص وإصابة 5 بإطلاق نار عشوائي في أسيوط بمصر
محمد رمضان يكشف أجره بعد مسلسل الأسطورة
10 دول تدين بشدة هجمات إسرائيل على "أسطول الصمود"
بيلا حديد تتألق بتسع سنوات من الأيقونية في مهرجان كان 2026
العطس .. آلية دفاعية مذهلة تنظف الهواء وتحمي الجسم
غضب واسع في العراق بعد مقتل طفلة والاحتفال بالجريمة
الكشف عن أخطر رسالة بين حماس ونصرالله صبيحة 7 أكتوبر .. ماذا تضمنت؟
نقيب الأطباء يكشف مفاجآت صادمة حول طبيب التجميل المتهم بهتك عرض أحداث
فاجعة تهز الأردنيين بالغربة بعد مقتل علي الأشقر .. التفاصيل
غموض نتائج الفحوصات يثير التساؤلات حول حادثة تسمم طلبة “اليرموك النموذجية”
للأردنيين .. غرامة تصل إلى 5 آلاف دينار لمرتكب هذه المخالفة
الرمثا إلى نهائي كأس الأردن على حساب الفيصلي
شاب يقتل والدته في عمان .. تفاصيل
نزوح قرابة 50 ألفا من ولاية النيل الأزرق خلال العام
إربد .. عشائر دوقرة تصدر بياناً بشأن انتهاك شبان حرمة المسجد
سبب وفاة الفنان عبدالرحمن أبو زهرة
مستشفى الجامعة الأردنية توضح ملابسات قضية الاختلاس .. تفاصيل
استدعاء النائب العماوي للتأكد من تصريحاته عن ممارسات فساد
رحيل وزير الداخلية الأسبق مازن الساكت
لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل