لا حرب ولا سلم

لا حرب ولا سلم

20-05-2026 12:56 AM

لا شيء يبقى ثابتاً إلا المصالح في عالم السياسة، حيث لا عدو دائم ولا صديق دائم. ولا شيء يتحرك أسرع من الته، الذي يقف عنده المشهد الإيراني المتقلب ما بين غزل المفاوضات ونيران التهديدات، حتى أصبح من أكثر الملفات الدولية استعصاءً على الإطلاق، فلا عودة للحرب، ولا ثبات للسلم، فيما يدفع العالم فاتورة الانتظار الثقيلة من جيوب البشر العاديين، مع تقلب أسعار العملات والبترول والذهب والمعادن الثمينة.
مشهد أقرب إلى مصارعين اثنين يخشى كل منهما الآخر، فيلّوحان بعضلاتهما ويطلقان حنجرتيهما للتخويف فقط دونما فعل. فامتلاك إيران لبرنامجها النووي ولسلاحها الباليستي ومسيّراتها ومعلوماتها الاستخباراتية، التي أوصلت صواريخها إلى موانئ حيفا ومفاعل ديمونة ومراكز التحكم والسيطرة في إسرائيل والإقليم، إضافة إلى القواعد الأمريكية في المنطقة، تبدو وفق المحللين أنها استطاعت أن تثبت نفسها كلاعب إقليمي يصعب تجاهله. أما أمريكا ومن هم في فلكها، فيدركون بالمقابل أن مواجهة إيران ليست خياراً سهلاً بل فتيلاً قادراً على إشعال المنطقة وإحداث نزيف قد لا يمكن محاصرته.
من هنا، تتأرجح المواقف في حالة تتنازعها رسائل دبلوماسية ناعمة من جهة، وتصريحات نارية خشنة من جهة أخرى. جولات تفاوض غير مباشرة، يتبعها استعراض للقوة، عقوبات اقتصادية خانقة، يقابلها رفع تدريجي لمنسوب التخصيب النووي. حديث عن فرص التهدئة، يقابله تحذير دائم من «الخيار العسكري». إنها معادلة «اللا حرب واللا سلم» التي باتت عنواناً ثابتاً لهذا الملف.
المفارقة أن الطرفين يهددان بالخيار العسكري المكلف، لكنهما ما يلبثان أن يعودا إلى الحديث المتصاعد حول تسوية نهائية.
من الواضح إذن أن واشنطن المكتوية «بشطحات» ترامب، تخشى أن تبدو وكأنها تعيش ضعفاً استراتيجياً أمام إيران، بينما ترفض الأخيرة التنازل المجاني، وهو ما يقودها نحو التصرف بندية عالية. وبين هذا وذاك، تتحول المنطقة إلى برميل بارود ينتظر شرارة الانفجار، أو وسائط التفكيك الآمن. وعليه فإن الأخطر في الأمر، يكمن في استمرار حالة المراوحة السياسية والعسكرية، وهو ما سينعكس على استقرار العالم بأسره بدءا من الطاقة بكامل مكوناتها، مروراً بالممرات البحرية التي تستمر في خضوعها لنيران التفجير في أي لحظة، لتقف في مقابلها غزة ولبنان والعراق واليمن ودول الخليج منتظرة الدخان الأبيض، الذي ينذر بحل الاستعصاء الأمريكي الإيراني.
في خضم حال كهذا، غابت أخبار أوكرانيا عن المشهد ومعها أخبار الحجيج إلى الصين، وكأننا دخلنا في حالة من التعايش مع المصارعين المملين وبصورة باتت معها الأزمات مشروعاً للالتهاء لا للانتهاء. وبهذا يبقى المشهد معلقاً: فليس هناك اتفاق نهائيٌ يحبط المخاوف، ولا حربٌ حاسمة تغير المعادلات. مساحة رمادية واسعة هي التي تستديم بصورة تختلط فيها الدبلوماسية المناورة بالاستعراض الزائف، بينما يبقى الشرق الأوسط واقتصاديات الدول واقفة على شفا الانهيار، بانتظار قراري السلم من ناحية أو الحرب من ناحية أخرى، وكأننا نعيد إحياء مقولة وزير الخارجية الأمريكي الراحل، الذي وصف الجمود الاستراتيجي ذات يوم بالعبارة الشهيرة: لا حرب ولا سلم. فهل نرى حرب المصارعين تستأنف قريباً، أم نبقى ضحايا الحرب الأمريكية الصوتية؟ ننتظر ونرى.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إسرائيل تقر باختطاف جميع نشطاء "أسطول الصمود" الـ 430

زهراء قرطبة: درة التاج الأُموي الأندلسي

من «أرض الميعاد» إلى «أرض أجداد»

لا حرب ولا سلم

لماذا سلطنة عُمان مختلفة دائما؟

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

10 مليارات دينار لتطوير مرسى زايد .. وريفيرا هايتس البداية من العقبة

أسطول الصمود العالمي: إسرائيل اعترضت جميع السفن واحتجزت الناشطين

استطلاع : تراجع نسبة تأييد ترامب إلى 35% مع انخفاض الدعم الجمهوري

هيئة الإعلام تمنطق البيروقراطية بحجة "تنظيم الإعلام الرقمي" والحكومة تلجأ للمؤثرين

روبيو ينتقد تأخر منظمة الصحة العالمية في إعلان تفشي إيبولا

5 معلومات مالية لا يجب مشاركتها مع روبوتات الذكاء الاصطناعي

الأردن يراجع شهرياً قرار منع دخول القادمين من الكونغو وأوغندا بسبب إيبولا

كتلة هوائية باردة تجلب أمطاراً متفرقة إلى بلاد الشام الخميس

البحرين تحظر دخول القادمين من ثلاث دول إفريقية بسبب تفشي إيبولا