زهراء قرطبة: درة التاج الأُموي الأندلسي
20-05-2026 01:13 AM
تتجلى مدينة الزهراء في سجلات التاريخ كأبهى صورة التقت فيها سطوة الخلافة الأموية الأندلسية وعظمتها مع سحر العمارة الإسلامية الإبداعية، لتقف هذه الحاضرة منارة حَضارية شاهقة بددت بضيائها غياهب الجهل والتخلف التي كانت تخيم على القارة الأوروبية في ذلك العصر. لم تكن الزهراء مجرد قصر أو مستقر للملوك، بل غدت مركز الثقل الإستراتيجي ومقر الحكم الأوحد الذي تذعن له ممالك أوروبا؛ فبين ردهاتها وأروقة مجلس الحل والعقد فيها، صُنعت المصائر وتخرجت رجالات الدولة الفذة، ومن عقر دارها كانت تصدر المراسيم الحاسمة بتنصيب الملوك وعزل آخرين، بما يضمن سيادة قرطبة التي تربعت على عرش عواصم العالم بوصفها درة التاج الأموي الغالية ولؤلؤته المصونة.
وإذا ما دققنا في الدوافع التي حدت بأمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر - رحمه الله - لتشييد هذا الصرح الفريد، نجد أن المحرك الأساسي كان غاية سياسية وإستراتيجية بالدرجة الأولى؛ إذ رمى إلى تأسيس مدينة جديدة للحكم لتخفيف وطأة الضغط السكاني والعمراني المتزايد الذي كبل العاصمة قرطبة. وبذلك سجّل التاريخ أن الزهراء كانت العاصمة السياسية الإدارية الأولى في العالم بمفهومها الحديث، حيث تركزت فيها إدارة الدولة، وحسم الشؤون العامة، وتسيير جيوش الجهاد والصوائف، وفرض الهيبة السياسية على القوى المعاصرة لها.
ومن المثير للاهتمام أن هذه الرؤية التنظيمية ألهمت لاحقاً القوى الغربية في العصور الحديثة؛ فعندما استقر المهاجرون الأوروبيون في أمريكا الشمالية وبسطوا سيطرتهم عليها بعد انتزاعها من سكانها الأصليين، عمدوا إلى محاكاة هذا النموذج الإداري عبر تأسيس مدينة واشنطن لتكون عاصمة سياسية مستقلة تدير شؤون الولايات المتحدة، مقتفين في ذلك أثر الفكرة التي ابتكرها العرب والمسلمون في الأندلس قبل قرون مضت، لتظل الزهراء الريادة التاريخية والأصل الحقيقي لمفهوم العواصم السياسية المتخصصة في العالم.
وفي تفاصيل تدوين هذا المجد العمراني، ينقل إلينا المؤرخ ابن عذاري المراكشي صورة حية عن ورشة العمل العملاقة التي لم تهدأ؛ إذ يشير إلى أن لبنات التأسيس الأولى لمدينة الزهراء وضعت في مطلع سنة 325 هـ، حيث كان العمل يسير بآلة إنتاجية مذهلة تستهلك يومياً زهاء ستة آلاف صخرة منحوتة بدقة، ناهيك عن أحجار التبليط المخصصة للأساسات العميقة. ولم يقتصر الناصر على موارد الأندلس، بل جلب الرخام الفاخر من آفاق شتى، لا سيما من قرطاجنة وتونس بإفريقية، وتحت إشراف أمناء مهرة أمثال عبد الله بن يونس، وحسن القرطبي، وعلي بن جعفر الإسكندراني، الذين حظوا برعاية الخليفة وإكرامه؛ إذ كان يمنحهم عن كل قطعة رخام ثلاثة دنانير، وعن كل سارية ثمانية دنانير سجلماسية. وقد غصّت المدينة بالسواري التي بلغ تعدادها أربعة آلاف وثلاثمائة وثلاث عشرة سارية، جُلب منها من عمق إفريقية ألف وثلاث عشرة سارية، بينما أهدى ملك الروم (بيزنطة) للناصر مائة وأربعين سارية، في حين صُنعت بقية السواري من رخام مقالع الأندلس الغنية.
ومن بين التحف الهندسية الفريدة التي ازدهت بها المدينة، ذلك الحوض العجيب المنقوش والمذهب بالتماثيل، والذي جلبه ربيع الأسقف من القسطنطينية مشحوناً بحذر عبر البر والبحر حتى استقر في "بيت المنام" بالمجلس الشرقي المعروف بالمؤنس. وقد أحيط هذا الحوض باثني عشر تمثالاً من الذهب الأحمر الخالص المرصع بالدر النفيس الغالي، مما أبدعته أيدي الحرفيين في دار الصنعة بقصر قرطبة. ولأهمية هذا المشروع الحضاري وعظمته، لم يكل الناصر الإشراف عليه إلى أي من رجالات الدولة، بل جعله في عهدة ابنه وولي عهده الحكم، ليكون عيناً له على أدق تفاصيل البناء.
ولم يكن هذا البذخ وليد عشوائية، بل قام على سياسة مالية وإستراتيجية بالغة الدقة؛ حيث قسّم الناصر جباية الدولة إلى ثلاثة أثلاث متساوية: ثلث لنفقات الجند وحماية الثغور، وثلث لمشاريع البناء والتشييد، وثلث يُدخر لنوائب الدهر. وكانت جباية الأندلس في ذلك العصر الذهبي تتدفق من الكور والقرى بمبلغ مهول يبلغ خمسة ملايين وأربعمائة وثمانين ألف دينار، ينضاف إليها من عائدات المستخلصات والأسواق سبعمائة وخمسة وستون ألف دينار.
وحين تكامل عقد هذا العمران في عهد بني أمية، غدت قرطبة وحواضرها حديث الركبان في العظمة والاتساع؛ إذ أحصى المؤرخون دور الرعية بداخلها بنحو مائة وثلاثة عشر ألف دار، تعمرها ثلاث مائة مسجد. أما قصر الزهراء وحده، فقد ضم أربعمائة دار مخصصة لسكنى السلطان وحاشيته وخاصة بيته، يخدمهم جيش من الفتيان الصقالبة يبلغ تعدادهم ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين فتى. وتذكر المصادر أن عدد النساء في قصر الزهراء، من حرائر وجوارٍ وخدم، بلغ ستة آلاف وثلاثمائة امرأة، حظين برغد من العيش؛ فكان يُخصص لهن يومياً من اللحم ثلاثة عشر ألف رطل، توزع بحسب المراتب والمنازل، فضلاً عن الدجاج والحجل وصنوف الطير وضروب الأسماك. ومما تميزت به الزهراء حماماتها الثلاثمائة التي قيل إنها كانت تبرز جمال نسائها المتميز ونضارتهن.
وقد امتدت أرباض قرطبة آنذاك لتشمل ثمانية وعشرين ربضاً فسيحاً، ارتقت من بينها مدينة الزهراء الباهرة العامرة. وتتويجاً لهذا البهاء، تربع قصر الزهراء بمجلسه "البديع" على عرش الفخامة بوجود تحفة "اليتيمة"؛ وهي درة ثمينة لا مثيل لها في الوجود، كانت من بين الهدايا السنية الفاخرة التي بعث بها قيصر القسطنطينية إلى الناصر خطباً لوده وطلباً لمهادنته. فسبحان من تفرد بالبقاء، ومن لا يبيد ملكه ولا ينقطع عزه وسلطانه!. [1]
ولم تكن "الزهراء" بمبانيها الشاهقة مجرد مسرحٍ لإدارة شؤون الحُكم وتسيير الجيوش، بل كانت أيضاً شواهد جدرانها تعجّ بمواقف تختزل صراع العظمة البَشرية مع حتمية الزوال، حيث التقى في ردهاتها بريقُ المُلك بصدقِ الموعظة. ويروي التاريخ أن القاضي العادل الصادع بالحق، المنذر بن سعيد البلوطي، شهد يوماً مجلس الخليفة عبد الرحمن الناصر في قصره المنيف. وبينما كانت الأعين مأخوذة بجلال البنيان وفخامة المكان، انبرى الشاعر أبو عثمان بن إدريس لينشد قصيدة يمتدح فيها الناصر ويشيد بعهده الذي جمع فيه بين مجد الدين والدنيا، ومما جاء في شدوه:
سَيشهدُ مَــا أَبقيتَ أَنكَ لَـم تَكـنْ
مُضَيعًا وَقد مَكنتَ لِلدينِ وَالدنيَا
فَبِالجـامِع المَعمورِ لِلعلمِ وَالتقـى
وَبِالزهــرةِ الزهـراءِ لِلمُلكِ وَالعُليَا
فاهتزّ الناصر طرباً وزهواً بما شيدت يداه، واستدارت وجوه الحاضرين ترقب رد فعل القاضي المنذر، الذي أطرق برأسه ملياً في صمت مهيب، كأنما يقرأ مصائر الأيام في كتاب الغيب. ثم رفع بصره نحو الخليفة، مرسلاً نظرة تجمع بين الهيبة والشفقة، وأنشد بصوت هزّ ركائز القصر:
يَا بَانِي الزهراءِ مُستغرقاً
أَوقَـــاتَهُ فِيــهَا أَمَــا تُمهَلُ
لِلَّهِ مَـــــا أَحسَــنَهَا رَونَقاً
لَـو لَـم تَكـنْ زَهـرتُهَا تَذبُلُ
وكانت الكلمات كوقع الصاعقة على القلوب؛ فبينما كان الجميع يتغنى بالخلود، جاء المنذر ليذكر بالفناء. فداخَلتِ الناصرَ خشيةٌ وهتف بصوت خافت متأثر بالوعظ: "يا أبا الحكم، إذا هبّ عليها نسيم التذكار، وسقتها مدامع الخشوع، فلن تذبل إن شاء الله". فنظر القاضي إلى السماء بيقين المؤمن قائلًا: "اللهم اشهد أني قد بثثتُ ما عندي، ولم آلُ نُصحاً".
ولم تكد تمضي عقود قليلة، حتى دارت دوائر القدر؛ لتثبت أن نبوءة القاضي كانت أصدق من أوهام الشعراء. إذ هبت على الأندلس ريح "الفتنة البربرية" العاتية، التي أحالت رغد العيش إلى شقاء. وبدأ شرخ الدولة حين تولى الحجابة عبد الرحمن بن أبي عامر، المعروف بـ "شنجول"، الذي أطاح بوقار المنصب وسار في الرعية بغير تدبر، جاهلاً بمقاليد الأمور وسياسة الرجال، واستبد بالحكم حتى تغلغل الحقد في نفوس الخاصة والعامة، وأجبر الخليفة الضعيف هشام المؤيد بالله على التنازل عن ولاية العهد ونزعها من بني أمية وحصرها في بيته.
وفي سنة 399 هـ، انفجر بركان الغضب الحبيس؛ إذ خرج محمد بن هشام الملقب بالمهدي طالباً الخلافة، فخُذل شنجول وأُسلم لحتفه، واجتاحت جموع الغوغاء شوارع قرطبة. وفي غضون أربع وعشرين ساعة فقط، انقلبت موازين القوى وسقطت العروش؛ فخُلع خليفة ووُلي آخر، وبيد من؟ بيد جندٍ من الفحامين والجزارين والعامة الذين قادهم المهدي في ثورته.
أما "الزهراء"، تلك الحاضرة التي ظن معاصروها أنها خُلقت لتبقى حِصناً للزمان، فقد طالها دمار أسود، وانتهبت قصورها، وذبلت زهرتها وتلاشت نضرتها تماماً كما حذر المنذر بن سعيد قبل سنوات. وتحولت حجارتها المبعثرة إلى مرثية صامتة تذكر السائرين بأن "كل من عليها فان"، وأن العمران الحقيقي لا يقام بالمرمر والحجارة، بل يُشيد في القلوب بالعدل والتقوى. [2]
وقد يتبادر إلى أذهان البعض، أمام هذا السخاء العمراني المفرط، أن الخليفة عبد الرحمن الناصر قد أسرف في تبديد المال العام، وضحى بأقوات رعيته ليرفع جدران قصرٍ يباهي به الملوك. غير أن نظرة فاحصة في بطون التاريخ تدحض هذا الادعاء وتبطل زيفه؛ إذ يروي المؤرخ أبو الحسن الصفار مشهداً مهيباً يختزل هذه الجدلية، حين دخل أمير المرابطين يوسف بن تاشفين مدينة "الزهراء" الأسطورية بعد قرون من تشييدها. وقف الأمير البدري، الذي طالما ألف قسوة الصحراء وتقشفها، يتأمل الصروح الشامخة، والأعمدة المرصعة بالمرمر، والنقوش البديعة التي تأخذ بالأبصار، فما كان منه إلا أن هزّ رأسه استنكاراً، وقال بلهجة البدوي الأنِف المستخف بمظاهر البذخ: "إن الذي بنى هذا كان سفيهاً!".
سقطت الكلمة كالصاعقة في حضرة المجد الغابر، وأحدثت دوياً بين المؤرخين والفقهاء الحاضرين، فلم يطق العالم الأديب "أبو مروان بن سراج" صمتاً أمام هذا الطعن في إرث بني أمية القرشيين، فانبرى مدافعاً بوقار حازم وأدب جم قائلاً: "كيف يكون سفيهاً يا أمير، وإحدى جواريه وكرائمه أخرجت في زمانه مالاً نفيساً ووفيراً لفداء أسرى المسلمين، فبحث عمال الخلافة في طول الأندلس وعرضها، وطافوا بحواضرها وثغورها، فلم يجدوا أسيراً واحداً يُفدى؟!".
حمل هذا الجواب الذكي رسالة بالغة الأثر وعميقة الدلالة؛ إذ أثبتت أن تلك القصور المنيفة لم تُرفع لبناتها على أنقاض الجياع، ولم تُبْنَ بدموع المحرومين، بل كانت واجهة حَضارية لعصرٍ بلغ فيه الرخاء ذروته، وشبع فيه الصغير والكبير، وعزّت فيه الحاجة حتى لم يجد المال موضعاً يُصرف فيه من شدة الكفاية. لتظل الزهراء، حتى في تداعي أحجارها، شاهداً على أن عظمة العمران عند المسلمين كانت تفيض من وفرة الأمة وعزتها، لا من عوزها وفقرها. [3]
الباحث في التاريخ الأندلسي
__________
[1] البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب / الجزء ٢ / ص ٢٣١ – ٢٣٢.
[2] نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب / الجزء ١ / ص ٥٧٥ – ٥٧٦.
[3] سير أعلام النبلاء / الجزء ٨ / ص ٢٦٨، كنز الدرر وجامع الغرر / الجزء ٤ / ص ٤٨٧.
إسرائيل تقر باختطاف جميع نشطاء "أسطول الصمود" الـ 430
زهراء قرطبة: درة التاج الأُموي الأندلسي
من «أرض الميعاد» إلى «أرض أجداد»
لماذا سلطنة عُمان مختلفة دائما؟
الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما
10 مليارات دينار لتطوير مرسى زايد .. وريفيرا هايتس البداية من العقبة
أسطول الصمود العالمي: إسرائيل اعترضت جميع السفن واحتجزت الناشطين
استطلاع : تراجع نسبة تأييد ترامب إلى 35% مع انخفاض الدعم الجمهوري
هيئة الإعلام تمنطق البيروقراطية بحجة "تنظيم الإعلام الرقمي" والحكومة تلجأ للمؤثرين
روبيو ينتقد تأخر منظمة الصحة العالمية في إعلان تفشي إيبولا
5 معلومات مالية لا يجب مشاركتها مع روبوتات الذكاء الاصطناعي
الأردن يراجع شهرياً قرار منع دخول القادمين من الكونغو وأوغندا بسبب إيبولا
كتلة هوائية باردة تجلب أمطاراً متفرقة إلى بلاد الشام الخميس
البحرين تحظر دخول القادمين من ثلاث دول إفريقية بسبب تفشي إيبولا
غضب واسع في العراق بعد مقتل طفلة والاحتفال بالجريمة
الكشف عن أخطر رسالة بين حماس ونصرالله صبيحة 7 أكتوبر .. ماذا تضمنت؟
شاب يقتل والدته في عمان .. تفاصيل
إربد .. عشائر دوقرة تصدر بياناً بشأن انتهاك شبان حرمة المسجد
مستشفى الجامعة الأردنية توضح ملابسات قضية الاختلاس .. تفاصيل
استدعاء النائب العماوي للتأكد من تصريحاته عن ممارسات فساد
مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان
رحيل وزير الداخلية الأسبق مازن الساكت
لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل
توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية
مدعوون للامتحان التنافسي لوظيفة معلم .. التفاصيل
بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة
انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً السبت
