حين تحمل الأمهات الأوطان… وترقص غزة فوق الركام!
21-05-2026 12:01 AM
في الجنوب اللبناني، حيث الجبال تحفظ أسماء أهلها، خرجت امرأة تحمل طفلها بين ذراعيها، بينما كانت تحمل فوق قلبها وطناً كاملاً يتداعى بصمت.
لم تكن تصرخ فقط، كانت تحاول أن تمسك بالحياة قبل أن تسقط منها.
خلفها وقف الأطفال بوجوه مرتبكة لا تفهم تماماً معنى أن يطلب منك مغادرة بيتك فجأة، ولا لماذا تتحوّل الطرقات التي لعبت فيها بالأمس إلى مسالك للنزوح والخوف.
الأطفال لا يفهمون السياسة، ولا الخرائط، ولا البيانات العسكرية، هم فقط يعرفون شيئاً واحداً. يعرفون أن البيت هو المكان الذي تنام فيه أمهم مطمئنة.
وحين تخاف الأم، يشعر العالم كله بأنه لم يعد آمناً.
في الفيديو بدت المرأة وكأنها تتكلم بسرعة، ليس لأنها تريد الكلام، إنما لأن الوقت نفسه صار يركض.
في الحروب يصبح الإنسان مستعجلاً حتى في حزنه. لا وقت للبكاء الطويل، ولا للذهول الكامل، ولا حتى لالتقاط الأنفاس.
هناك دائماً باب يجب أن يغلق بسرعة، طفل يجب أن يحمل، حقيبة يجب أن تؤخذ، وبيت قد لا تعود إليه أبداً.
يا الله. ما أقسى أن يضطر الإنسان إلى مغادرة تفاصيله الصغيرة بهذه السرعة. الفنجان الذي بقي على الطاولة، الغطاء غير المرتّب على السرير، دفاتر المدرسة، رائحة البيت في الصباح. كل تلك الأشياء التي تبدو عادية جداً، تتحول فجأة إلى أشياء مقدسة حين نخاف أن نفقدها.
المرأة في الصورة لم تكن مجرد أم من قرية حدودية. كانت تشبه كل الأمهات اللواتي حملن أوطانهن في صدورهن عبر التاريخ. كانت تشبه امرأة فلسطينية خرجت قبل عقود وهي تظن أنها ستعود بعد أيام.
وتشبه أمّاً سورية أغلقت باب بيتها، وهي تعرف في داخلها أن المفتاح قد يصبح ذكرى. وتشبه كل النساء اللواتي تعلّمن أن يكن قويات، لأن العالم لم يترك لهن خياراً آخر. ورغم ذلك، كانت هناك في عينيها بقايا كرامة مذهلة.
هذا ما لا تفهمه الحروب أبداً، أن الإنسان قد يتعب، قد يجوع، قد يهجَّر، لكنه يحتفظ دائماً بشيء صغير لا يهزم بسهولة، كرامته الداخلية.
خلف المرأة ظهرت الجبال اللبنانية شامخة وهادئة بطريقة مؤلمة، كأن الطبيعة نفسها لا تصدق ما يحدث. الثلج فوق القمم بدا بعيداً جداً عن حرارة الخوف في صدور الناس.
كيف يستطيع العالم أن يبقى جميلاً بينما البشر يتألمون إلى هذا الحد؟
ربما لهذا تبدو صور النزوح دائماً قاسية، لأنها لا تظهر فقط الخوف، بل انكسار العلاقة الطبيعية بين الإنسان والمكان، البيت ليس جدراناً فقط، هو الذاكرة، والطمأنينة، والصوت الذي يشبهك.
وحين يقتلع الإنسان منه، يشعر وكأنه اقتلع من نفسه قليلاً، الطفل الذي كانت تحمله الأم لم يكن يفهم كل هذا بالتأكيد، لكنه كان متشبثاً بها بقوة، والأطفال يعرفون بالفطرة ما ننساه نحن الكبار أن حضن الأم قد يتحول أحياناً إلى الوطن الأخير، كم هو موجع أن يصبح النجاة حلماً بسيطاً.
أن ينخفض سقف الأماني إلى هذا الحد،لا أحد هناك يطلب المعجزات، هم فقط يريدون أن ينام أطفالهم دون صوت انفجار، وأن يعودوا إلى بيوتهم دون خوف، وأن يعيشوا حياة عادية جداً، تلك الحياة التي لا ينتبه معظم الناس إلى قيمتها إلا حين تسلب منهم. وفي الحروب، تصبح «العادية» رفاهية عظيمة.
ربما أكثر ما يكسر القلب في هذه المشاهد هو أن الناس يحاولون الحفاظ على إنسانيتهم وسط كل هذا الخراب.
الأم ترتب حجابها وهي تتحدث، الأطفال يقفون قربها بهدوء، أحدهم ينظر للكاميرا، وآخر ينظر للأرض.
الحياة تحاول أن تبدو طبيعية، رغم أنها لم تعد كذلك أبداً. الحروب لا تدمّر البيوت فقط، هي تسرق الشعور البسيط بالأمان الذي يعيش داخل الجسد.
تجعل الإنسان متوتراً حتى وهو يبتسم، وتجعله يحمل خوفه معه أينما ذهب، كأنه ظلّ لا يغادره.
ومع ذلك، يستمر الناس، وهذه أعظم معجزة بشرية على الإطلاق، أن يستمر الإنسان رغم كل شيء.
أن يطبخ، ويحضن أطفاله، ويبحث عن الأخبار، ويطمئن على أحبابه، ويحاول أن يزرع يوماً عادياً داخل زمن غير عادي أبداً.
المرأة في الفيديو لم تكن تعرف أنها ستتحول إلى صورة تختصر وجع منطقة كاملة.
يكفي أحياناً صوت أم خائف، كي نفهم كم صار العالم قاسياً. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر وجعاً: أن الذين يدفعون ثمن الحروب غالباً ليسوا الذين يقررونها. إنما الأمهات، والأطفال، والبيوت الصغيرة، والناس الذين كانوا يريدون فقط أن يعيشوا بسلام تحت سماء تشبههم.
الجرافة التي حملت عروساً
في غزة، حيث صار الفرح فعلاً من أشكال المقاومة، خرج عريس وعروس في زفّة لا تشبه أي زفّة أخرى.
لا ورود معلّقة على السيارات الفاخرة، ولا قاعات تلمع بالثريات، ولا موسيقى تخفي تعب العالم. كان هناك شيء أعمق من كل ذلك بكثير. كان هناك قلبان يحاولان أن يقولا للحياة: «لن تهزمينا.»
ظهرت العروس بثوبها الأبيض، كأنها قطعة نور هبطت وسط غبار الحرب.
ثوبها الكبير كان يتدلّى من ملعقة جرافة ضخمة، والجرافة نفسها التي اعتادت أن ترفع الركام والحجارة المحطمة، تحولت فجأة إلى مركبة فرح تحمل بداية عمر جديد.
حتى الحديد في غزة يتغيّر دوره، الأشياء هناك لا تبقى على معناها الواحد، الجرافة التي تعرف الموت، حملت هذه المرة عروساً.
في الشوارع التي مرّت منها الزفّة، كان الخراب واضحاً كجرح مفتوح.
الأبنية المتعبة، الغبار، الخيم، الوجوه التي أرهقتها الحرب، كل شيء كان يقول إن المكان موجوع حتى العظم. لكن وسط هذا المشهد، كان هناك شباب يرقصون، يضحكون رغم كل شيء، وكأنهم يقولون إن الإنسان يستطيع أحياناً أن ينتزع لحظة فرح من بين أنياب الكارثة نفسها. العريس لم يكن يمشي بخطوات المنتصر على العالم، بل بخطوات رجل يعرف تماماً هشاشة الحياة، ولذلك يريد أن يحب بسرعة، وأن يفرح بسرعة، وأن يتمسّك بما تبقّى له قبل أن تخطفه الأيام مرة أخرى.
كان يرقص مع الناس بعفوية مؤلمة. تلك العفوية التي لا تأتي من رفاهية الحياة، بل من معرفتنا العميقة بأن الغد غير مضمون.
أما العروس، فكانت تبدو كأنها تحاول حماية حلمها بيديها الاثنتين. ثوبها الأبيض وسط كل ذلك الرماد بدا مثل رسالة سماوية صغيرة تقول إن النقاء ما زال ممكناً، وإن الحرب، مهما اشتدّت، لا تستطيع أن تقتل رغبة البشر في الحب.
في مكان آخر من العالم، ربما كانت هذه الزفّة ستبدو «بسيطة»، لكن الحقيقة أنها لم تكن كذلك أبداً. كانت عظيمة بطريقة لا يفهمها إلا من عاش الخوف، لأن الفرح حين يولد في الظروف الطبيعية يكون أمراً عادياً، أما حين يولد وسط الموت، فإنه يتحوّل إلى معجزة صغيرة!
أكثر ما يؤلم في هذه المشاهد ليس الفقر ولا الدمار وحدهما، بل ذلك التناقض الساحق بين الأبيض الناصع لفستان العروس، وبين اللون الرمادي الذي يغطي كل شيء حولها، كأنها تحمل حلمها وحدها في مدينة نسيت كيف تحلم، ورغم ذلك، رقص الناس، وهنا تكمن الحكاية الحقيقية.
غزة لا ترقص لأنها لا تتألم، ترقص لأنها تتألم كثيراً. هناك فرق هائل بين الأمرين.
الإنسان حين يحاصر طويلاً يبدأ بالتشبث بأي شيء يذكّره بأنه ما زال حيّاً، بأغنية، بكوب قهوة، بطفل يضحك، بعرس يمرّ في شارع محطم، بامرأة ترتدي الأبيض وسط السواد كله.
ربما لهذا السبب بدت الزفّة مؤثرة إلى هذا الحد، لأنها لم تكن مجرد احتفال بزواج شخصين، بل احتفال ببقاء الروح البشرية حيّة رغم كل شيء.
تخيّلت أم العروس، وهي ترتّب فستان ابنتها بيدين مرتجفتين، هل فكّرت، وهي تفعل ذلك، أن ابنتها تستحق زفّة مختلفة؟ هل خبّأت دمعتها كي لا تفسد اللحظة؟ هل شعرت بالذنب لأنها فرحت، ولو قليلاً، بينما المدينة مليئة بالحزن؟ في الحروب تصبح المشاعر معقّدة بطريقة قاسية، حتى الفرح نفسه يشعر أحياناً كأنه ترف مؤلم، لكن هؤلاء الناس قرروا أن يفرحوا رغم ذلك.
وهذا وحده يحتاج شجاعة هائلة، الجرافة التي حملت العروس بدت لي كأنها تختصر حكاية غزة كلها.
مدينة تحاول أن تصنع الحياة بالأدوات نفسها التي تستخدم لرفع آثار الموت. مدينة لا تملك رفاهية الأحلام الكاملة، فتخترع أحلامها من بقايا الأشياء، حتى الزغاريد هناك تبدو مختلفة.
ومع ذلك ترتفع، ترتفع بعناد مذهل، فالبشر، حتى في أقسى لحظاتهم، يبحثون عن الضوء، عن معنى يكملون لأجله الطريق، العروس في تلك الجرافة لم تكن فقط فتاة تبدأ حياتها الجديدة. كانت رمزاً لكل روح تحاول أن تنجو من العتمة دون أن تفقد قدرتها على الحب.
في النهاية، لم يكن ذلك العرس مجرد زفّة في شارع مدمر، كان إعلاناً صغيراً وشجاعاً بأن القلب البشري أقوى مما نظن، وأن الناس، حتى حين تسلب منهم البيوت والطمأنينة والأيام العادية، يبقى عندهم شيء أخير لا يستطيع أحد أخذه بالكامل، قدرتهم المذهلة على أن يحبّوا.
حين تحمل الأمهات الأوطان… وترقص غزة فوق الركام!
لكي أتأكد من أنني لستُ في جهنّم
ولي العهد يؤكد من برلين أهمية التعاون مع ألمانيا
كيف يتموضع الأردن في معادلة اللاحرب واللاسلم؟
البعثة الطبية في مكة : تعاملنا مع قرابة ألف حالة مرضية خلال يومين
إصابات بقصف إسرائيلي استهدف منزلا وسط قطاع غزة
جمعية الأطباء الأردنيين في ألمانيا تثمّن زيارة ولي العهد
إسرائيل تخطر بهدم 8 منشآت ومنازل فلسطينية شرقي القدس
محافظ جرش: القرار التنموي قائم على الاحتياجات بعيدا عن المحاصصة
الجيش الإسرائيلي يعلن إصابة 7 عسكريين بانفجار مسيّرة جنوبي لبنان
تكريم فريق الكلية لكرة القدم بعد إحراز المركز الثاني في الاستقلال
استمرار فعاليات برنامج الرسم في مراكز شبابية بالعاصمة
أردوغان ورئيس وزراء السودان يبحثان العلاقات ومستجدات الإقليم
الكشف عن أخطر رسالة بين حماس ونصرالله صبيحة 7 أكتوبر .. ماذا تضمنت؟
الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما
إربد .. عشائر دوقرة تصدر بياناً بشأن انتهاك شبان حرمة المسجد
مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان
لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل
توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية
بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة
انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً السبت
إعلان النتائج النهائية لانتخابات حركة فتح اليوم
عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة
4 دنانير يومياً .. عروس تشترط مصروفاً يومياً للمعسل كيف رد العريس
حرمان الطالب من امتحان ومقاعد التجسير بهذه الحالة
أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل