باكستان بين إيران والولايات المتحدة: حسابات الوساطة

باكستان بين إيران والولايات المتحدة: حسابات الوساطة

21-05-2026 11:39 PM

استمعت إلى مداخلة لشخص يطلق على نفسه لقب «محلل استراتيجي» حول الدور المشبوه والمتآمر الذي تلعبه باكستان ضد إيران، وأن وساطتها جزء من المؤامرة، لأن هذه الحكومة عميلة وستعمل على طعن إيران في الظهر. ولأن هذا الطرح مستفز وساذج في أحسن حالاته، رأيت أن أطرح بعض الحقائق أمام القراء، ليحكموا على موضوع الوساطة الباكستانية.
أستطيع أن أقدم بعض الاجتهادات لفهم أسس السياسة الباكستانية، انطلاقا من معرفتي بهذا البلد، الذي عملت فيه مع المنظمة الدولية، وزرته بعدها وكتبت عنه وعن قضية كشمير الكثير، وأجريت لقاءات ومقابلات مع عدد من مسؤوليه بمن فيهم وزراء خارجية وسفراء معتمدون في الأمم المتحدة. وأول قاعدة تنطلق منها سياسة باكستان الثابتة، هي العداء المستحكم مع الهند. لا يستطيع رئيس وزراء باكستاني من أي خلفية كان، أن يتراخى في موضوع الخلاف التناحري مع الهند بسبب كشمير، وذكريات أربع حروب ونزاعات بينهما بدأت منذ الاستقلال. فمثلا في عهد عمران خان، أسقط الجيش الباكستاني في فبراير 2019 طائرتين هنديتين اخترقتا المجال الجوي الباكستاني وأسر أحد الطيارين. فأعاد عمران خان الطيار بسرعة، وتمنى على الهند أن تفتح صفحة للحوار حول كشمير، فكان رد الهند بكل صلف أن ألغت الوضع الخاص لكشمير بتاريخ 5 أغسطس عام 2019، واعتبرت كشمير مسألة داخلية، ونشرت أكثر من نصف مليون جندي، وأصدرت أربعة ملايين رخصة بناء في الإقليم ليصبح الكشميريون أقلية في بلادهم. بينما في عهد زردار شريف وعندما تحرشت الهند بباكستان في مايو 2025 قام الجيش الباكستاني بتأديب الهند وإسقاط ست طائرات خلال دقائق وتدمير جميع مرابض الصواريخ التي انطلقت منها القذائف الهندية، ما اضطر الجنرالات الهنود أن يفتحوا الخط الأحمر مع باكستان ويطلبوا وقف الحرب فورا فاستجابت باكستان من موقع قوة، لا كما ادعى ترامب بأنه توسط بينهما.
عندما كانت الهند حليفة للاتحاد السوفييتي، كانت باكستان قريبة جدا من الولايات المتحدة، وعندما فجرت الهند أول تجربة نووية في 11 مايو 1998 ربما بمساعدة سوفييتية، تبعتها باكستان بستة تفجيرات نووية في 28 مايو من الشهر نفسه، ربما بمساعدة أمريكية وبقدراتها الذاتية عبر المهندس عبد القدير خان ومساعدة تمويلية من المملكة العربية السعودية. في عهد رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، العنصري الكاره للإسلام والمسلمين، تفاقم العداء لباكستان ومسلمي الهند، خاصة مسلمي كشمير، أصبح الحليف الأقرب إلى قلب ترامب في دورته الأولى، وهو ما أبعد باكستان عن الاعتماد على الولايات المتحدة وقربها أكثر وأكثر من الصين. الصين هي الحليف الاستراتيجي الأول لباكستان وهي التي طورت سلاحها الجوي ومنظومة الصواريخ عالية الدقة. ولا نشك أبدا بأن الهند لعبت على ورقة الخلافات بين حركة طالبان وباكستان التي ضمت يوما ما أكثر من أربعة ملايين لاجئ أفغاني، وساهمت في تحرير البلاد من الاحتلال السوفييتي وسهلت عودة طالبان لإنهاء الحرب الأهلية عام 1996. وتقوم الهند الآن بدعم حركتين إرهابيتين في منطقة الحدود في ولاية بلوشستان.
القيادات الباكستانية لا تتصرف بمنطق العمالة لأحد، بل بمنطق المصالح العليا لدولة متوسطة الحجم مساحة وخامس دولة في عدد السكان الذين يعتبرون الإسلام هويتهم الأولى وقضية كشمير الخط الأحمر لكل باكستاني، ولذلك لا عمران خان ولا زردار ولا بنظير بوتو ولا من قبلهم برويز مشرف أو علي بوتو، يمكنه أن يتهاون في موضوع الخلاف الشديد مع الهند، ودعم قضية كشمير وحق الإقليم في تقرير المصير. وقضيته الثانية مباشرة هي فلسطين. وهي خط أحمر آخر لا يمكن لقائد أن يطبع مع إسرائيل، حتى لو طبع العرب، قبل تحقيق الحقوق الفلسطينية خاصة وقيام الدولة المستقلة. النقطة الأخرى لفهم السياسة الباكستانية هي أن الجيش في باكستان هو المؤسسة الأكثر استقرارا وتماسكا وقوة، ويعتبر جهاز الاستخبارات (ISI) أو»مديرية الاستخبارات المشتركة» من أقوى الأجهزة في العالم، ويتبع الجهاز قائد الجيش ورئيس الوزراء مباشرة. ولا يسمح الجهاز بأي نوع من التدخل الخارجي في شؤون البلاد. الجيش هو القوة الفاعلة ولا يهم من يكون في رئاسة الحكومة. وللعلم فمنذ أنشئت باكستان لم يكمل أي رئيس وزراء مدة ولايته، إما قتل أو أطيح به بانقلاب لكن ظلت سفينة البلد عائمة رغم الأمواج العاتية.
أجريت مشاورات بين عدة دول للوساطة بين إيران والولايات المتحدة بينها السعودية ومصر وتركيا وباكستان. من بين هذه الدول نجد أن باكستان هي الأكثر أهلية للوساطة. فالسعودية علاقاتها مع الولايات المتحدة حميمية جدا من جهة، ومن جهة أخرى رسمت سياستها منذ ثورة الخميني على معارضة إيران والتصدي لسياساتها في المنطقة، سواء في اليمن أو سوريا أو لبنان أو العراق.لذلك لا تقبل إيران وساطة سعودية، وهي تعتبرها جزءا من معسكر الأعداء، حتى لو أن النية السعودية في وقف الحرب حقيقية وجادة وصادقة. أما النظام المصري فتعتبره إيران جزءا من معسكر الأعداء لقربه من الإمارات العربية والكيان الصهيوني، ومحافظته على قدر كبير من التعاون مع إسرائيل حتى أيام حرب الإبادة على غزة، ولذلك مصر غير مؤهلة ولا مقبولة كوسيط. أما بالنسبة لتركيا فهي بالتأكيد أكثر أهلية من مصر والسعودية، لكن هناك خلافات حقيقية بين البلدين سواء في موضوع العراق أو سوريا. فتركيا هي التي لعبت دورا أساسيا في إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا، الحليف الأقرب للنظام الإيراني. ومن جهة ثانية فتركيا عضو في حلف الناتو، ما يثير الريبة لدى النظام الإيراني ولا يثق بحياديته. لم تبق إلا باكستان وسيطا قويا ومقبولا.
بين باكستان وإيران أكثر من 900 كيلومتر من الحدود البرية، وقد طورت الدولتان ممرات بريّة لتسهيل التجارة البينية بينهما. كما وقعتا أكثر من 25 اتفاقية تشمل كل المجالات بما في ذلك مكافحة الإرهاب. إيران أول دولة في العالم اعترفت بباكستان بعد انفصالها عن الهند ووقفت معها في حروبها كافة ضد الهند. كما أن باكستان أول دولة رحبت بثورة الخميني واعترفت بجمهورية إيران الإسلامية. وبقيت الدولتان على علاقات ودية طوال هذا الوقت.
باكستان دولة نووية وخارج اتفاقية منع الانتشار (NPT) فهي بمقاييس السلاح والتسلح دولة عظمى عدد سكانها يزيد عن الـ260 مليون وهي ثاني أكبر دولة مسلمة في العالم بعد إندونيسيا. وقد انضمت لمجموعة الدول الإسلامية الثماني التي أسسها نجم الدين أربكان مع إيران. كما انضمت لمجموعة شنغهاي وعلى علاقات استراتيجية مع الصين، حيث استندت إلى منظومتها التسليحية التي فاجأت العالم بتطورها أثناء الاشتباكات مع الهند في مايو 2025. وهذا ما أقنع المملكة العربية السعودية بأن تنوع علاقاتها العسكرية والأمنية وتوقع مع باكستان «اتفاقية دفاع مشترك» بتاريخ 17 سبتمبر 2025 بعد أيام فقط من عدوان إسرائيل على قطر يوم 9 سبتمبر 2025، ما مثل رسالة لدول الخليج أن الولايات المتحدة حليف غير موثوق عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
باكستان لا ينطبق عليها أن تسمى دولة «عميلة» كما شرح ذلك المحلل الاستراتيجي. قد نختلف معها في بعض القضايا ولكن لا أحد يشك بأنها دولة تتبع مصالحها الاستراتيجية العليا. لذلك لا بديل عن الوساطة الباكستانية بين الطرفين. صحيح أن الوسيط لا يستطيع أن يفرض على الطرفين المتحاربين الحل لكن من أولى شروط الوساطة أن يثق الطرفان المتحاربان في الوسيط الذي ينقل الرسائل بأمانة ويحاول أن يوظف قوته الناعمة لإنجاح المفاوضات وهذا الوضع لا يتوفر في هذه الحالة إلا في باكستان.

كاتب من فلسطين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الكشف عن أخطر رسالة بين حماس ونصرالله صبيحة 7 أكتوبر .. ماذا تضمنت؟

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

إربد .. عشائر دوقرة تصدر بياناً بشأن انتهاك شبان حرمة المسجد

أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة

مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان

لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل

توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية

بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً السبت

إعلان النتائج النهائية لانتخابات حركة فتح اليوم

تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي

4 دنانير يومياً .. عروس تشترط مصروفاً يومياً للمعسل كيف رد العريس

حرمان الطالب من امتحان ومقاعد التجسير بهذه الحالة