«منام القيلولة» .. عندما يصبح الجنون خلاصا

«منام القيلولة» ..  عندما يصبح الجنون خلاصا

06-04-2026 12:44 AM

لأجل الظفر بأجمل امرأة في القرية يَتّهِم مناضل جزائري، أثناء الثورة التحريرية، صديقَه زوج المرأة والمناضل أيضا بخيانة الثورة والعمالة للمستعمر، في مكيدة دنيئة للتخلص منه، تَكتَّمَ عن قول الحقيقة فيها شهودُها الكبار، لكن الطفل أمين الزاوي اختزن هذه الحادثة صغيرا وحملها بين أضلعه «جرحا عائليا عميقا»، وانتظر سنوات طويلة حتى وصله خبر موت الأرملة، فبدأ في كتابة ما حدث في شكل رواية حملت عنوان «منام القيلولة»، صدرت عن دار العين في القاهرة سنة 2025 ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.
تستوقفنا العتبة النصية الأولى: العنوان «منام القيلولة»، ولفظة المنام تحمل معنيين النوم نفسه، والحلم الذي يُرى أثناء النوم، والراجح أن مقصد الروائي المعنى الثاني، كما يتبين من إحدى فقرات الرواية، «هل لنوم القيلولة أحلام؟ صور أحلام الليل تكون واضحة لأنها تُنسخ بأمان في غرفة الليل السوداء، أما صور أحلام القيلولة فتكون غير واضحة محترقة مشوّهة لأنها تتعرض لضوء النهار»، وهو المعنى الذي أكّده الزاوي في موضع آخر من روايته حين كتب، «صور منامات القيلولة تطلع محروقة، مشوهة، نظرا لتعرضها لأشعة الشمس لحظة التحميض في الرأس»، فهي أشبه بكوابيس، لأن الليل مسرح طبيعي للأحلام، التي عادة ما تكون كوّة ينبعث منها نور يضيء ظلامَه، في حين أن النهار مساحة الواقع والحضور لا الغياب عما يدور حولنا، وهذا ما ألفه سكان القرية التي لجأت إليها شخصية الرواية الأساسية مسعودة القارح، فالقيلولة مقدّسة عندهم وبتعبير الزاوي «القيلولة ها هنا في قرية ينبو صلاة سادسة».
ويمكننا تأويل منام القيلولة بالأحلام التي تمنّاها الشعب الجزائري بعد الاستقلال والتي نتجت عنها خيبة كبيرة، فأحلام الليل الذي يمكن اعتباره معادلا موضوعيا للاستعمار كانت واضحة المآل نتج عنها تحرّر البلد، أما أحلام القيلولة فجاءت غير واضحة محترقة مشوّهة، كما سبق أن ذكرنا توصيف المؤلف.
يبدأ الروائي الجزائري أمين الزاوي، الذي يكتب الرواية باللغتين العربية والفرنسية «منام القيلولة» من نهايتها، حيث تُقاد «لالة مسعودة» إلى مستشفى الأمراض العقلية بعد أن قَتل سليم زوجُ ابنتها المنتمي إلى جماعة إسلامية متطرفة ولدَها عبد القادر الملقب بالمخّ لذكائه، وذنبه أنه كان رئيس بلدية منتخب من الشعب، ولكن الروائي لا يغفل في المدخل أن يرسم لنا لوحة لبطلته فهي «امرأة عبرت حياتها فوق الجمر، جمرة فجمرة، كيّة بعد كيّة، عبرتها كما تعبر فلاحة النهر الفائض عن سريره، مشمّرة فستانها الطويل، تقفز على أحجار وضعت على عرض المجرى، من حجرة إلى أخرى، تتقدّم بحذر على رؤوس أصابعها مرتجفة باحثة عن توازن كي لا تسقط».

ثم يعود بنا إلى البدايات ليفكّك المشهد الختامي زارعا بذرة القصة الواقعية التي اكتنزها صبيّا في أرض التخييل، فمسعودة تخبر زوجها حميد النوري بما يشيعه عنه غريمه سليمان الأعوج من خيانته للثورة، فيتواطأ الزوج مع زوجته على قتل الخائن ذبحا بيد الزوجة تحت نظر ابنهما إدريس، الذي كانا يعتقدانه نائما، الحادثة التي تسببت في جنون ابنهما إدريس لاحقا، بل وفي جعل مصحة الأمراض العقلية مأوى لأخيه الأصغر في ما بعد، ووالدته في ختام الرواية. وشخصيات الرواية الأساسية أي الأم وأطفالها الثلاثة – التي يقول الزاوي أنها جميعها لها معادلها الاجتماعي في الواقع ـ تمشي على حد السكين بين العقل والجنون. فالأم انتقلت إلى بيت أخيها الصوفي سيدي مولاي «عبد الله القارح» رئيس فرقة مقرئي الجنائز، مع أولادها بعد أن عاد زوجها إلى الجبل واستشهد هناك دفاعا عن وطنه، مع أن بعض الألسنة بقيت تلوك تهمة الخيانة.

والابن البكر رغم ذكائه الخارق فقد عقله وأصبح ببنيته الجسدية الهائلة حتى لقّب بالغول، خطرا على سكان القرية وكلابها وقططها وعلى أخته الصغيرة حليمة، التي حاول ذبحها بالسكين نفسها التي ذبحت بها أمه سليمان الأعوج، فاضطرت لالة مسعودة إلى ربطه بالقيود كل ليلة إلى جذع شجرة رمان، وسط البيت في صورة شبيهة بربط خوسيه أركاديو بوينديا إلى شجرة الكستناء في رواية ماركيز «مئة عام من العزلة». أما عبد القادر المخ الابن الثاني فرغم ذكائه وثقافته وهو المولع ببخلاء الجاحظ وأشعار المعري وأبي نواس وطموح ابن خلدون، إلا أن حلمه بأن يصبح رئيس الجمهورية الجزائرية تسبب في طرده من مدرسة تكوين المعلمين، ودخوله مستشفى الأمراض العقلية، ورغم أنه نجح في حياته في ما بعد حين افتتح مقهى في بلدته أصبح مقصد الجميع، وانتزع الاعتراف بأبيه الشهيد، بل ترأس بلدية قريته، إلا أنه قُتل عند تنامي خطر الجماعات الإسلامية من قبل زوج أخته ورفيقيه في مدرسة المعلمين. ولم يكن حظ الأخت الصغرى حليمة أفضل من أخويها وأمها، فبعد أن حاول أخوها إدريس ذبحها في إحدى نوبات جنونه، هرّبتها أمها إلى بيت عمها في قرية أخرى، ومنها زُوّجت صغيرة إلى الأستاذ سليم الذي كان يتحرش بالأطفال الذين يدرسهم في غرفة في بيته، ثم التحق بالجماعة في الجبل، وعاشت حليمة كوابيسها المرعبة وهي المهجوسة بأن أخاها إدريس يتتبّعها ليذبحها، وعملت لتؤمّن معيشتها في مخبزة لها قصتها أيضا.

تحركت شخصيات رواية «منام القيلولة» في فضاءين متناقضين: القرية بما تحمله من فراغ وسذاجة وفضول، ومدينة وهران تلك المدينة الكوزموبوليتانية «التي لا تكترث ولا تنتبه، مدينة بمفاصل باردة، مقبرة الأحياء»، التي ازدادت حالتها سوءا في فترة العشرية السوداء، التي مرّت بالجزائر، وراح ضحيتها عشرات الآلاف نتيجة الحرب الأهلية، فمع تضخم ظاهرة الإسلاميين «كل شيء في مدينة وهران أصبح مخيفا ومثيرا للريبة، الأرصفة تحولت إلى غابة من العيون اللاصقة في وجوه رجال غريبي السحنة، يتحركون ليل نهار يراقبون تصرفات الناس باسم الله» إلى حد أن صاحب المخبزة، التي تعمل بها حليمة قال ذات يأس «لقد تغيرت مدينتي… تغيرت وهران لقد بت فيها غريبا وأنا الذي ولدت ها هنا وكبرت ها هنا». ولم تكن وهران مثالا شاذا عما أصاب البلاد من جنون فأغلب مدن الجزائر لاقت مصيرا مشابها، وكانت الحالة كما وصفها الروائي «البلاد أضحت أرخبيلا للجنون، غابة وحوش لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحا». وفي موضع آخر «البلد يتفكك الخوف يتمدد يتعمم البلاد تسير نحو هاوية الحرب الأهلية المفتوحة على الرعب وعلى كل الاحتمالات»، وما عائلة لالة مسعودة القارح إلا مثال له أشباه كثيرة عن الثورة التي أكلت أبناءها فـ»كثير من أرامل الشهداء وذوي الحقوق وجدن أنفسهن يشتغلن كعاملات تنظيف في بيوت الأغنياء، أو في المؤسسات التعليمية والإدارية». أما في فترة العشرية فقد انضاف إلى الفقر فقدان الأمن واستشراء الخوف. وضاعف من ذلك الفساد السياسي والمالي الذي مارسته السلطة «فأكبر لصوص في التاريخ البشري هم الرؤساء».

يختلط في فصول كثيرة من هذه الرواية الواقعُ بالأحلام وبالكوابيس في واقعية سحرية مفصلة على قياسها، حيث تسرح أجحاش حمر الوحش بحجم الأرانب في شقة الجارة، وتُنتج شجرة الرمان حبات مربعة الشكل، وحتى السرد لم يعتمد مستوى خطيا، ففي كثير من الفصول يبدأ براو، ثم ينتقل فجأة من دون مقدمات ولا فصل إلى ضمير المتكلم سواء من حليمة، أو عبد القادر المخ، أو الراوي القريب من العائلة في الصفحات الأولى. وتعدد الأصوات هذا جعلنا ننظر إلى بعض الأحداث من وجهات نظر مختلفة، ووسّع أفق الرؤية، وإن كان قد أربكها في بعض المرات. غير أن خبرة الزاوي وهو المتمرس في الكتابة الروائية باللغتين العربية والفرنسية عرف كيف يحول دون انفلات خيط السرد من يده بلغة مقتصدة مفصلة على قياس الضرورة الحكائية، مطعّمة ببعض السخرية السوداء كقوله، «حكومتنا مثقفة وفنانة تسمي البيرة باسم أبي نواس، وتسمي النبيذ باسم عمر الخيام»، من دون أن يتخلص تماما من بعض الأحكام المسبقة الإيديولوجية، ولكنها لم تبخس حق القيمة الفنية لرواية لخصت لنا أربعة عقود من تاريخ الجزائر المعاصر، من خلال سيرة عائلة أوصلها ظلم الأقربين إلى حافة الجنون.

شاعرة وإعلامية من البحرين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد