فلسطين التاريخية: اسم ومسمّى وتسمية

mainThumb

22-04-2024 01:55 AM

تحت عنوان «ضدّ المحو»، نشرت مجلة The Nation الأمريكية تحقيقاً توثيقياً فوتوغرافياً حول موضوع فلسطين ما قبل النكبة، اعتمد على عدد من الصور الفوتوغرافية الأخاذة؛ المذهلة أيضاً، بسبب ما انطوت عليه من تمثيل رفيع الإقناع حول المستويات الحضارية متعددة الميادين التي كانت عليها مدن فلسطين وبلداتها، وفي ميادين شتى متعددة. النصّ المرافق كتبه الشاعر والتشكيلي والصحافي الفلسطيني محمد الكرد، مؤلف المجموعة الشعرية «رفقة»، التي صدرت بالإنكليزية سنة 2021، والذي ألقى في جامعة برنستون محاضرة إدوارد سعيد لسنة 2023 التي تستعيد سؤال سعيد الحاسم عن الحقّ في سرد الرواية.
وتحقيق المجلة الأمريكية يستعير بضع صور منشورة أصلاً في كتاب «ضدّ المحو: ذاكرة فوتوغرافية عن فلسطين قبل النكبة»، صدر في شباط (فبراير) الماضي ضمن منشورات Haymarket في شيكاغو، بعد إصدار أوّل باللغة الإسبانية يعود إلى سنة 2016 بإشراف الصحافية تيريزا أرانغورن والمصوّرة ساندرا باريلارو وتقديم الكرد. ثمة 230 صورة، تسجّل الحياة بين 1898 و1946 في قطاعات شخصية عائلية وأخرى لقطات ستوديو ومقتنيات أرشيف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)؛ واللافت الأبرز في المجموعات أنها توثّق أنساق العيش وطرائق العمل وأنماط الأنشطة الاجتماعية، كما تعيد تثبيت مظاهر العمران المختلفة في المدن والبلدات والقرى والشوارع. وإذْ كان الكتاب قد احتلّ مكانة وظيفية مرموقة منذ صدوره للمرة الأولى، فإنه الآن اكتسب أهمية إضافية وراهنة مع حرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة، وتصاعد تنميطات التعتيم على الوجود الفلسطيني، والتي بلغت مراراً درجة إنكار هذا الشعب أو حتى محوه نهائياً.
مادة المجلة الأمريكية تعيد إلى الذهن مبادرة «دار الناشر» في رام الله التي تولت، قبل سنوات، إصدار الكتاب الموسوعي «العمل والعادات في فلسطين»، الذي وضعه المستشرق واللاهوتي البروتستانتي والباحث الأنثروبولوجي الميداني غوستاف دالمان (1855ـ1941). وعلى امتداد 7 مجلدات، ينخرط دالمان في دراسة مستفيضة معمقة ومتعددة النُظُم، تغطي تاريخ فلسطين الاجتماعي مطلع القرن العشرين، وتجمع بين علوم الأناسة والأديان المقارنة والأسطورة والألسنيات والجغرافيا والموسيقى والفولكلور والتراث السردي والنبات والحيوان والمناخ. وكانت طبعة الكتاب الأولى قد صدرت سنة 1928 بالألمانية، ولكنه تُرجم إلى الإنكليزية بمبادرة من «دار الناشر»، صاحبة السبق؛ وتولت الترجمة السيدة نادية عبد الهادي ــ سختيان، أستاذة العلوم السياسية والأدب الإنكليزي في جامعة بون، ألمانيا.
وعلى سبيل تبيان مباحث الكتاب، أو بالأحرى فصول الجزء الأوّل منه، ثمة دراسات حول معنى السنة الطبيعية (التقويم الشعبي، الشهور، بداية السنة، الفصول، تأثيرات الشمس، أطوار القمر…)؛ ومدار السنة، في الخريف (حياة الشتل، الأشجار المختلفة، الحقول، الطقس والندى، البراعم قبيل المطر، سقوط الأوراق، الريح الشرقية، الغيوم والبروق، انحباس المطر، صلوات الاستسقاء، هجرات الطيور، المراعي، النحل، الماشية…). في مدار الشتاء، مثلاً، يناقش دالمان الأمطار الشتوية من حيث الأصناف وكثافة الهطول، كما يستعرض شروط البرد وأنواعه، وأنماط التدفئة، والخضار وأشجار الفواكه والزراعة إجمالاً؛ ولا يفوته التوقف عند الأعياد الزراعية، والاحتفالات الشعبية، وما يرتبط بها من أغانٍ وطقوس وشعائر (خاصة أعياد البربارة، المواكب، سبت النور، «سليقة» القمح، وعيد الميلاد).
وهذه السطور تتبنى تفسيراً، شخصياً تماماً في الواقع، حول واحد من أبرز أسباب الامتناع عن ترجمة كتاب دالمان إلى اللغة الإنكليزية، قبل أن تبادر السيدة عبد الهادي ــ سختيان و»دار الناشر» إلى أداء هذه المهمة النبيلة؛ وذلك رغم أهمية العمل في جوانبه الموسوعية وكشوفاته الميدانية، ورغم أهمية فلسطين باسمها هذا، أو بمسمياتها كأراضٍ مقدسة، أو تسمياتها كـ»أرض الميعاد». سبب ذاك هو أنّ الكثيرين من الباحثين الغربيين في تاريخ فلسطين وأخصائيي الأبحاث التوراتية عموماً، اعتبروا أنّ دالمان هو المسؤول الأوّل عن رأي، تكرّس بعدئذ بقوّة في الدراسات الغربية؛ قائل بأنّ لغة يسوع الناصري كانت الآرامية وليس العبرية، الأمر الذي أسقط عنه شخصيته «اليهودية» في المنبت الديني قبل المسلك المسيحي. كذلك ساجل هؤلاء بأنّ بواعث دالمان الحقيقية لم تخرج عن نطاق النزوع التبشيري الذي ساد في صفوف اللاهوتيين البروتستانت، بصدد دفع اليهود إلى الاهتداء بالديانة المسيحية. بذلك فإنّ دالمان، عند أولئك الباحثين وضمن مقاربة ميكانيكية عرجاء، التقى مباشرة مع تيارات العداء للسامية!
وليس بمنأى بعيد عن كتاب «ضدّ المحو» أن يُستذكر الروائي والشاعر الأمريكي هرمان مِلفيل (1819ـ1891)، الذي ركب البحر سنة 1857 في رحلة طويلة صوب شرق المتوسط، استمرت خمسة أشهر، قطع خلالها 15 ألف ميل، وزار ثلاث قارّات وتسعة بلدان، بينها تركيا ومصر. في فلسطين بدأ من يافا، ومرّ بالرملة قبل أن يصل القدس، ثمّ البحر الميت، ودير مار سابا؛ والثمرة الأدبية لتلك الرحلة كانت دفتر يوميات وقصيدة ملحمية بعنوان «كلاريل: قصيدة وحجّ إلى الأراضي المقدسة»، تقع في 150 نشيداً، بحثاً عن قرار الروح في تضارب واصطخاب أكثر من عقل واحد أحادي وراء روح استشراقية تائهة.
من جانبها، وكما ذكّر محمود درويش الإنسانية جمعاء، ظلت فلسطين حاملة الاسم والمسمى والتسمية؛ كانت، وصارت، وتبقى…

(القدس العربي)


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد