العالم يقف على الحافة

العالم يقف على الحافة

28-04-2024 01:07 AM

شهد العالم تغيرات كثيرة ومتسارعة في السنوات الأخيرة وخاصة بعد انتشار جائحة كورونا، أدت بشكل واضح الى تغير في تفكير وسلوك الدول والشعوب، وخلال هذه السنوات القليلة الماضية، قادت أمريكا العالم بشكل متسارع نحو طباعة تريليونات الدولارات والتضخم، وارتفاع معدلات الفائدة وتباطؤ النمو الاقتصادي، وحدوث حرب روسيا واكرانيا التي عرقلت سلاسل الامداد وخاصة الغذاء والطاقة، وفرض العقوبات على روسيا والصين، وتعزيز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهذا جعل العالم يبدأ في تغيير موازين القوى والتحالفات، ويبدو أن العالم يقف حاليا على الحافة ليواجه تحولات جذرية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

ويعتبر التحدي الاقتصادي هو التحدي الأكبر الذي سيواجه الدول والشركات والأفراد، وخاصة في ظل عودة ارتفاع معدلات التضخم وتثبيت معدلات الفائدة على مستويات مرتفعة نسبيا، مما يزيد من تأكل القوة الشرائية ويزيد من تكلفة التمويل من جهة، ويعمق التباطؤ الاقتصادي ويعرقل من نسب النمو، مما يزيد من نسب التعثرات المالية والبطالة والفقر من الجهة الأخرى.

وخلال عام 2023 وبداية عام 2024، استطاعت أمريكا أن تتعافى اقتصاديا بشكل نسبي، من خلال فرض العقوبات على الصين، وترشيد النفقات وتوجيهها نحو البنى التحتية، وزيادة إيرادات القطاع الخدمي، والحد من مشكلة التضخم، وزيادة معدلات التوظيف، الا أن عودة ارتفاع معدلات التضخم في أمريكا على مستوى مؤشر انفاق الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة Core CPI، من 2.5% الى 2.7% حيث جاء أعلى من التوقعات، ومؤشر انفاق الاستهلاك الشخصي CPI وارتفاعه من 3.2% الى 3.5% من جهة، وانخفاض نسب النمو من 3.4% في الربع الرابع الى 1.6% في الرابع الأول من الجهة الأخرى، يشير وبشكل واضح وصريح الى أن اقتصاد أمريكا امام مشكلات واستحقاقات اقتصادية، ومعالجة هذه المشاكل بات يزداد تعقيد.

هذه المشاكل الهيكلية في الاقتصاد الامريكي تعطي إشارات واضحة بأن صحة الاقتصاد الأمريكي، الذي يقود الاقتصاد العالمي، لا يسير بشكل سليم، وأن هناك عوائق أمام النظرية الاقتصادية الرأسمالية التي تعتمد على الطلب والعرض ورفع معدلات الفائدة وممارسة احتكار القلة، وتشير أيضا الى وجود عقبات أمام قدرة الدول على الصمود أمام هذه التحديات الاقتصادية في ظل ازدياد معدلات الضرائب على الأفراد والشركات يرافقه زيادة في الديون السيادية على الدول الناتجة عن المشاكل الهيكلية الاقتصادية الامريكية المتمثلة في التضخم والتباطؤ الاقتصادي.

وبالمقابل، وبالنظر الى دول البريكس، نلاحظ أن هناك زيادة في نمو الاقتصاد الصيني، رغم الصعوبات والعقوبات التي تفرض عليه، من 5.2% في الربع الرابع لعام 2023 الى 5.3% في الربع الأول لعام 2024، وغياب مشكلة التضخم في الصين لينخفض من 0.7% الى 0.1%، إشارة واضحة الى تعافي الاقتصاد الصيني وتماسكه الى جانب زيادة تعاملاته وتبادلاته التجارية مع الاقتصاد الروسي، كما أن الاقتصاد الروسي حقق نسب نمو مرتفعة تتجاوز 3.5% في عام 2023، وحقق مؤشري مدير المشتريات الصناعي والخدمي الروسي الأعلى على مستوى مؤشرات دول العالم، مما يؤكد على أن هذا المحور يزداد قوة اقتصادية وتماسك سياسي.

هذه التحديات الاقتصادية في السنوات الأخيرة جعلت الدول سياسيا بأن تتغير في تحالفاتها وتبادلاتها التجارية، فعلى سبيل المثال، في عام 2020 أصحبت الصين الشريك التجاري الأول مع الاتحاد الأوروبي على مستوى المبادلات التجارية بواقع 586 مليار دولار، بينما بلغت التبادلات التجارية بين أمريكا والاتحاد الأوروبي 555 مليار دولار، بمعنى أن هناك زيادة 31 مليار دولار لصالح التبادلات التجارية الصينية الاوربية لعام 2020، وفي عام 2023 زادت المبادلات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي 25% لتصل الى 738 مليار دولار، وهذا يشير الى أن العلاقات السياسية يمكن أن تتغير في ظل هذه التحولات الاقتصادية وهناك يمكن ان يكون تقاربات مباشرة أو غير مباشرة بين الصين والاتحاد الأوروبي.

كما أن التحولات السياسية تتسارع نتيجة التوترات الجيوسياسية بين الدول، ففي ظل الحرب الروسية الأوكرانية التي ساهمت في الانقسام الكبير بين الصين وأمريكا، أو بين الاشتراكية والرأسمالية، وحدوث الثورات في القارة السمراء وخروج النيجر وبوركينا فاسو ومالي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا "ايكواس" التي تضم 15 عضو مع بدايات عام 2024، وانسحابها من المحور الغربي نحو الشرق وخاصة الروسي يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول وخاصة مع أميركا والغرب.

وجاءت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وقتلها للمدنيين بلا شفقة ولا رحمة، واصطفاف أمريكا خلف إسرائيل ودعمها لهم اقتصاديا وسياسيا، صدمة حضارية وتعلن عن بداية عصر جديد، لتزيل الغشاوة عن عيون الشعوب والدول، وخاصة عن الشعب الأمريكي، لتؤدي الى حدوث ثورة بقيادة أساتذة الجامعات وطلابها، ليتساءلوا، "الى متى سنبقى ندفع الضرائب من أجل دعم الحروب؟ الى متى سنبقى ندفع الضرائب من أجل قتل العدالة؟" ليكتشف الشعب الأمريكي قبل شعوب العالم بأن الرواية السياسية عن الديمقراطية وحقوق الانسان كانت مضللة من قبل دولتهم، وهي ذريعة تخفي وراءها الظلم والاستبداد لاستعمار الدول والشعوب، وهذا دفع بكل دول العالم بأن تعيد النظر في قيمها ومبادئها وانسانيتها وعلاقاتها وخاصة مع أمريكا والغرب.

وفي ظل هذه التحولات السياسية والاقتصادية، والاقتصاد المبني على الفائدة والاحتكار، وتسارع تزايد التوترات الجيوسياسية في العالم خلال السنوات الاخيرة، برزت التحديات الاجتماعية، وتعمقت مشكلة البطالة وتعمقت الطبقية لتزيد الفجوة بين الأثرياء والفقراء في العديد من الدول، وزادت نسب الجريمة، وتدهورت العلاقات الاجتماعية والشعور بالظلم نتيجة التمييز والظلم على أساس العرق والجنس وخاصة بما يحدث في فلسطين من قتل المدنيين، وهذا بطبيعة الحال عمق من معدلات الاكتئاب والقلق والاجهاد النفسي لدى الشعوب.

في هذا السرد السريع لما يحدث في العالم على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فان المطلوب من أصحاب القرار والنخب في دولنا العربية في هذه الفترة الحساسة أن تزداد في تعاونها بينها وبين شعوبها وتكاملها الاقتصادي بينها وبين الدول المجاورة وتعميق علاقاتها الاستراتيجية، وتحافظ على ثرواتها، لتصبح تحالف اقتصادي وسياسي قوي يفرض حضوره على الساحة الدولية وخاصة في ظل الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، كما على الدول التي لها ارتباطات مع الغرب، أن تعيد النظر في علاقاتها وتعمل توازنات بين قوى الشرق والغرب، على الأقل، بناء على مصالحها، وأخيرا على أصحاب القرار والنخب في الدول العربية أن تسرع في تعميق قيم الحرية والمساواة والعدالة واحترام الانسان، فلا دول قوية بدون تطبيق العدالة، ولا حياة كريمة بدون احترام الانسان.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

عرض مسرحي في الفحيص بعنوان "القناطر"

الطقس: موجة دافئة مؤقتة تسبق مؤشرات اندفاع "المرتفع السيبيري" المبكر

أنشطة وبرامج توعوية وتدريبية في عدد من المحافظات

جاهزية ستاد الحسن تحت المتابعة الحكومية في إربد

المفرق: إنقاذ شخص سقط من مقطع صخري بعمق 40 مترا وحالته حرجة

طهران تتلقى رسالة من نائب الرئيس الأميركي وتؤكد استمرار إغلاق هرمز

سوء الحظ يطارد هاري كين ودورتموند يفرض التعادل

الأردن يشارك في اجتماعات الأكاديمية العربية للنقل البحري بالقاهرة

روسيا تمدد حظر تصدير الديزل حتى نهاية كانون الثاني المقبل

عمره 4.1 مليار عام .. نيزك نادر من المريخ يكشف أسرار قشرة الكوكب المبكرة

خبير أمني مصري يحذر من طموحات إثيوبيا العسكرية في البحر الأحمر

غارات وقصف إسرائيلي على جنوب لبنان

الشيخ عبدالله ذنيبات يطالب بإعدام مرتكبي جريمة الكرك أمام الناس

الحسين إربد يهزم الفيصلي بهدف نظيف في دوري المحترفين

فرنسا: توقيف أكثر من 290 شخصا واشتباكات بين الشرطة والمحتجين

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم