الفلسطينيون المسيحيون ملح الأرض وسكّر الشعب

الفلسطينيون المسيحيون ملح الأرض وسكّر الشعب

09-05-2024 02:42 PM

بحلول عام 1948 وأثناء إنشاء «دولة إسرائيل» (النكبة الفلسطينية)، أصبح أكثر من 70% من المسيحيين الفلسطينيين لاجئين عديمي الجنسية وفاقدين أراضيهم وممتلكاتهم. ونتيجة لذلك، اضطرت ما لا يقل عن ثلاثين رعية من مختلف الطوائف المسيحية، من كنيسة القديس يوحنا الأسقفية في القدس الغربية إلى الكنيسة المارونية في المنصورة القريبة من الحدود مع سوريا ولبنان، إلى الإغلاق بسبب النكبة، في حين فقد عدد آخر ما يصل إلى 90٪ من أبناء الرعية. فبعد أن كانوا يشكلون نحو 10% من سكان فلسطين في 1948، أصبحت نسبة المسيحيين الفلسطينيين في عمو? «الأراضي المقدسة» ضئيلة للغاية مقارنة بما كانت عليه في ذلك العام. ثم واصل احتلال 1967 عملية التهجير القسري للفلسطينيين من خلال مختلف الأساليب السرية والعلنية، وهو ما انعكس بوضوح على سبيل المثال في القدس، حيث انخفض عدد السكان المسيحيين من أكثر من 30,000 نسمة في 1948 إلى حوالي 10,000 نسمة في هذه الايام. وعليه، فإن حقيقة انخفاض نسبة المسيحيين الفلسطينيين من أكثر من 10% إلى أقل من 3% من سكان فلسطين خلال عام واحد (1948) تظهر مدى عمق تأثير السياسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني على المسيحيين. لكن، بالتوازي مع ?لك، أنشأت إسرائيل نظامًا يسمح لأي يهودي من جميع أنحاء العالم بالاستيطان في فلسطين فيما وصفه المؤرخ الإسرائيلي (إيلان بابي) بأنه عملية «التهجير والاستبدال» في سياق التطهير العرقي لفلسطين.

إن مجرد فكرة شرق أوسط خال من المسيحيين (المتداولة اسرائيلياً وفي أوساط مؤثرة في الدول الغربية) فكرة مرفوضة فلسطينيا وعربيا ومفترض أن تكون كذلك لدى العالم المسيحي وبالذات الغرب المسيحي. ونعم، ثمة سبب جدي للخوف من إفراغ المنطقة من المسيحيين. ففي الاراضي المقدسة، الواقع مؤلم والمخاوف كثيرة تجاه مستقبل المسيحيين. لكن من المؤكد أن المسيحيين يثمنون ويعتمدون موقف بطريرك اللاتين في القدس وسائر الأراضي المقدسة (فؤاد طوّال): «نعيش في الأرض المقدّسة وضعًا صعبًا لا يبدو له حلٌّ في القريب العاجل، نلمسُ آثارُه على جميع ?كّان الأرض المقدّسة، وعلى المسيحيّين مثل غيرهم. والحل ليسَ في الهجرة والرحيل ولا في القوقعةِ والانغلاق، الحلُّ هو أنْ نبقى هنا وأن نعيش هنا وأن نموتَ هنا». بل إن قداسة بابا الفاتيكان جمع بطاركة الشرق وأطلق وإياهم نداء حارا مشوبا بالقلق، حيث قال: «لا يسعنا أن نفكر في شرق أوسط خال من المسيحيين الذين منذ نحو ألفي عام يبشرون باسم المسيح وهم مواطنون مندمجون في الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية لأممهم».

وإن كان مسيحيو الشرق في محنة، فمسيحيو فلسطين في ثلاث: أولها، محنة الاحتلال الإسرائيلي التي تصيبهم بقدر ما تصيب إخوانهم الفلسطينيين المسلمين. والمحنة الثانية ناجمة عن نتوء شاذ قوامه اسلامويون متطرفون وتكفيريون (وعن جهل بالدين الإسلامي السمح) باتوا يضربون في اكثرمن بقعة عربية، فيما تتجسد المحنة الثالثة في ما أسميته منذ سنوات «الاحتلال اليوناني» المتمثل في بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية، التي اعتادت على بيع ممتلكات تعود للكنيسة بالقدس الشرقية لمستثمرين يهود استعماريين/ «استيطانيين». ومعركة «رعايا» الكنيسة ?ن الفلسطينيين مستمرة ضد ما أسماه عديدون: «الاستعمار الديني اليوناني»، وهو واقع مرير مستمر منذ القرن السادس عشر، حيث يستمر استنزاف الرهبان اليونان للممتلكات والأوقاف الفلسطينية المسيحية وحتى لوجود مسيحيي فلسطين في الأراضي المقدسة. وهنا، نشير الى خطر كبير يحيط بأجزاء واسعة من فلسطين. فوفقا للسجلات الرسمية، تمتلك الكنيسة نحو 18% من مساحة القدس الغربية و17% من القدس الشرقية ونحو 3% من مساحة اللد والرملة ويافا وحيفا، وقوامها الأراضي والأديرة التي لم تمسها سلطات الاحتلال (بعد!!!) ومعظمها فارغة لكنها في مناطق حسا?ة ولذلك قيمتها المادية والإستراتيجية كبيرة. وفي وجه هذا الواقع المرير، تستمر احتجاجات أبناء الطائفة الأرثوذكسية في الأردن وفلسطين مؤكدة على الحقوق التاريخية لابناء الكنيسة الارثوذكسية المقدسية العربية الممتدة على اراضي ضفتي النهر، داعين الى ضرورة متابعة العمل وصولا الى النهضة الارثودكسية الشاملة ووقف التهميش وسياسة الإقصاء التي تعتمدها البطركية الأرثوذكسية اليونانية في القدس بحق رهبانهم.

رغم كل ما يحاك من مؤامرات، يبقى المسيحيون جزءً لا يتجزأ من الأمة العربية، مشاركون في الجهود المقاومة، مؤكدون صمودهم في الخندق نفسه مع المسلمين. ومن أراد شواهداً على ذلك فإن أمامه مواقف ونضالات مسيحيي فلسطين (وغيرهم) التي قاومت سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وبخاصة تجاه ما تتعرض له القدس الشريفة والمعالم الإسلامية التاريخية. ولعل الموقف الاسرائيلي العدائي من المسيحيين عائد إلى جذور دينية، علاوة على أن هؤلاء الأخيرين كانوا ومازالوا في صلب الموقف الوطني والقومي والانساني الثابت والصريح. وعلى الضد من ذلك نصطدم با?توجه القومي والديني اليهودي المتطرف القائم على الكراهية، ضمن نهج تتبناه الدولة الصهيونية تجاه المسيحيين بهدف طمس كل ما هو عربي (إسلامي ومسيحي) في فلسطين واستبداله باليهودي، مع محاولة إفراغ فلسطين من مسلميها (ومسيحييها: «ملح» هذه الأرض و"سكر» شعبها) كجزء من المشروع الصهيوني الثابت الذي يريد إقامة دولة يهودية خالصة على أرض فلسطين بل وعلى غيرها!!!


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ابن خلدون والعرب: هل كان مؤرخ العمران يذمّ العرب أم يحلّل شروط تكوّن الدولة وسقوطها؟

الأردن والحرب على الإرهاب ومكافحة التطرف

يوم الأغذية العالمي .. الابتكار طريق نحو الأمن الغذائي والتنمية المستدامة

الزبن يتمسك بالترشح لرئاسة مجلس النواب ويرفض إقصاء الكتل النيابية

العربي يخطف فوزا ثمينا من الوحدات ويعزز رصيده في دوري المحترفين

الرمثا يفوز على البقعة في دوري المحترفين

قبل أن تتخلص منها .. أجزاء من الفواكه والخضروات قد تفيد صحتك والكوكب

تجمعات المياه في عمّان .. الأمانة تكشف الأسباب ومدة تصريفها

عبدالله دقامسة وعقيلته يهنئان عامر روحي دقامسة بخطوبة نجله سند

ما سر علاقة البرد بطول العمر؟

نقيب المطاعم يحذر من مخالفات الأسعار: وجبة بـ5 دنانير تباع بـ10

بينانس تعلق السحب 48 ساعة بعد اختراق سيبراني بقيمة 6.3 مليار دولار

الملك يفتتح الاثنين الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة

إضراب عاملين في شركة دواجن كبرى احتجاجا على تأخر رواتبهم

مجلس الامن يمدد ولاية البعثة الاممية في كولومبيا سنة كاملة

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة