الحمامة الثرثارة

الحمامة الثرثارة

26-05-2024 05:33 PM

لو لم تكن جارتي ثرثارة ما وصفتها بالثرثرة ، لاخترت لها صفة تميزت بها الحمائم الأخرى، فمنهن الذاكرات و الضاحكات و الحزانى.
بَنَتْ على حافة نافذة حجرتي -وبكل جرأة- عشا لم تستأذنني في ذلك ولم تأبه لمشاعري ولم تراع قانون الجيرة ونحن أبناء المدينة تضيق بنا الأماكن.
جارتي نشيطة جدا تصحو مع الفجر تسبق الباعة و هدير الشارع وصخب إذاعات المدارس المجاورة و تبدأ نداءها وهمهمتها وتنهداتها بإلحاح وتكرار غريبين .. كرو ..دو.. دو ..كواك.. كو .. كو.. وكثيرا من الؤووه ... و الآااه !
فلا تدري إن كانت تُسبّح وتذكر الله كما كانت تقول جدتي أو أن الأنثى تحدث رفيقها عن خططها ذلك النهار أو أن الذكر يطلب من رفيقته شيئا -لك أن تتصور ما تشاء- لكنهما قطعا لا يتحدثان عنا.. وما يدريك؟ فإن قضية الشرق الأوسط أقضّت مضاجع الإنس والجان وطير سليمان!
في موسوعة الحمام أنواع كثيرة -تُقسّم حسب الحجم و شكل الريش و اللون والمنطقة- لها أسماء كثيرة و أصوات تخص نوعا دون آخر تبدأ بهديل الحمام الداجن -الوقور- ثم تتنوع لتسمع ما يشبه تأوهات الإنسان الحزين عند "حمامة الحِداد" أو " Mourning Dove " ، وقد تسمع ما يشبه الضحكات لدى "الحمامة الضاحكة" أو " “Laughing Dove
لكن جارتي تفعل كل ذلك، تارة يخيل لي أنها تقول "أستغفر الله" إن كان الوقت مبكرا ثم لا تلبث أن تبدأ محاضراتها التي لا تنقطع، يقول العارفين بالشأن الحمامي أن تلك النداءات منها ما يقوم بها الذكر مستعرضا أمام أنثاه ومنها ما تقوم بها الأنثى معلنة عن استعدادها للتزاوج ومنها إشارات تهديد لما حولها من الكائنات أو إنذار لرفيقاتها إن شاهدت أحد الطيور الجوارح لكنني أشعر أنها تهزأ بي و تسخر من قلة حيلتي فإن للحب قيد من اللطف يجعل منك مغلوبا على أمرك أمام هذا السحر الملائكي.
ترى ماذا سمع الشعراء في نداءاتها؟
في الوقت الذي كان فيه أبو فراس الحمداني أسيرا لدى الروم، حطت حمامة على غصن قرب نافذة سجنه أثار نواحها أحزانه و أيقظت عنده جنية الشعر فأنشد قصيدته "نجوى أسير" قال فيها:
أَقولُ وَقَد ناحَت بِقُربي حَمامَةٌ
أَيا جارَتا هَل تَشعُرينَ بِحالي
ثم يقارن بين حاله في الأسر وحالها وهي حرة وهو الصابر وهي الباكية، ثم يقول:
لَقَد كُنتُ أَولى مِنكِ بِالدَمعِ مُقلَةً
وَلَكِنَّ دَمعي في الحَوادِثِ غالِ
ومن قبله عنترة بن شداد إذ أنشد يبكي عبلة وقد أشجاه نواح الحمام :
يا طائِرَ البان قَد هَيَّجتَ أَشجاني
وَزِدتَني طَرَباً يا طائِرَ البان
إِن كُنتَ تَندُبُ إِلفاً قَد فُجِعتَ بِهِ
فَقَد شَجاكَ الَّذي بِالبَينِ أَشجاني

لو قلّبت -عزيزي القارئ- ديوان الشعر العربي القديم والحديث لوجدت كثيرا من الشعراء منهم من أشجاه نواح الحمام ومنهم من هز وجدانه جماله ورقته .
فذاك كاظم يشدو بشعر نزار:
يدك التي حطت على كتفـي
كحمامـة نزلت لكي تشرب
عندي تسـاوي ألف أمنيـة
يا ليتها تبقى و لا تذهـب
في جولتنا العجلى هذه لا نستطيع إلا أن نتوقف في. محطة محمود درويش وهو ينشد:
يطيرُ الحمامُ
يَحُطُّ الحمامُ
أعدِّي لِيَ الأرضَ كي أستريحَ
فإني أُحبُّكِ حتى التَعَبْ ...
أكان ينشد حبيبته المرأة أم حبيبته الأرض؟!
يظل الحمام قصيدة مغناة لا تمل من سماعها ولا تكف تسائل نفسك ..ترى ماذا تقول؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

خبر سار للمعلمين بشأن مشروع تمليك الأراضي

هل شعر باقتراب موته .. آخر رسائل الفنان أحمد جلال قبل رحيله تهز المواقع

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم