سعادة الخبيزة

سعادة الخبيزة

23-12-2025 07:37 PM

حين يشتدّ البرد، لا تبحث الذاكرة عن الفروة والملابس الثقيلة بقدر ما تبحث عن المعنى. ومع دخول مربعانية الشتاء، حيث تنهض الأرض من صمتها، وتبدأ بإرسال إشارات لمن يعرفها، يعود الإنسان إلى علاقته الأولى مع الأرض، تلك العلاقة التي لا تقوم على الوفرة، بل على الحكمة، ولا على الترف، بل على الاكتفاء. في هذا الفصل، لا يكون الشتاء مجرد حالة طقس، بل امتحان دفء، ودرسًا قديمًا في كيف نحتمي ببعضنا وبما تجود به الأرض.

مربعانية الشتاء هي الزمن الذي تتباطأ فيه الأيام، وتطول الليالي، وتقترب البيوت من بعضها. حول صوبات الحطب، تتقاطع الحكايات، وتُستعاد الوجوه، وتُطهى الأكلات التي لا تظهر إلا حين يستدعيها البرد. فالمطبخ الشتوي في الأردن ليس رفاهًا موسميًا، بل ذاكرة جمعية، تحفظ أسماءنا كما تحفظ نكهاتنا.

وفي قلب هذا المشهد، تعود الأعشاب البرية إلى الواجهة، لا كزينة للطبيعة، بل كرسالة صامتة من الأرض. تنبت بعد أول المطر، بلا دعوة ولا جهد، كأنها تعرف أن الناس بحاجة إليها. يجوبها الكبار والصغار، لا بدافع الحاجة فقط، بل بدافع الطمأنينة التي تمنحها هذه الطقوس القديمة.

ومن بين تلك الأعشاب، تقف الخبيزة متواضعة في شكلها، عظيمة في معناها. نبتة خضراء لا تدّعي شيئًا، لكنها تحمل تاريخًا من الصبر والنجاة. أطعمت الفقراء دون أن تُحرجهم، وجمعت الأغنياء حول بساطتها، فكانت طعام الجميع بلا استثناء. لم تدخل الخبيزة يومًا من باب الفخامة، لكنها دخلت القلوب من باب الصدق.

أتذكر أمي وهي تُعدّها، لا كطبخة، بل كطقس. كانت تعرف متى تُقطف، ومتى تُغسل، ومتى تُترك على النار لتأخذ وقتها دون استعجال. لم تكن تقيس المكونات، بل تقيس الرائحة، وتعرف النضج من الصوت واللون. كانت تقول إن الخبيزة لا تحب العجلة، وإن النار الهادئة تُخرج خيرها كله.

وحين تُقدَّم، ساخنة وبسيطة، مع رغيف خبز وزيت زيتون، لا تحتاج إلى تفسير. لقمة واحدة كفيلة بأن تشرح معنى الشتاء، ومعنى القناعة، ومعنى أن تكون ابن هذه الأرض. فهي ليست مجرد طبق يُشبع الجسد، بل وجبة تُعيد ترتيب الروح.

الخبيزة أكثر من نبات؛ إنها درس قديم في الاكتفاء، وتذكير بأن الأرض لا تخذل من يفهم لغتها. وفي مربعانية الشتاء، حين يشتد البرد وتضيق الأيام، نكتشف أن السعادة والقناعة قد تكون بأكلة مطبوخة على نار هادئة، وتُقدَّم في طبق يعرفه القلب قبل المعدة. نعم، أيها السادة، إنها سعادة الخبيزة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وفد فلسطيني يصل السويد الأحد لبحث ترتيبات انتخابات المجلس الوطني

انتشال 8 جثث بعد غرق زورق مهاجرين بتونس

استعداداً لجسر عمّان .. الأشغال تبحث مسارات بديلة لتخفيف الازدحام

أبو السمن يبحث تسريع إنجاز مشاريع برنامج رؤية التحديث الاقتصادي

الملكاوي: تحديات فنية تعيق استكمال طرق مساندة لمشروع جسر عمّان

إنجاز 65% من تأهيل مستشفى البادية الشمالية واستكماله مطلع 2027

مجلس الوزراء يقر إنشاء 5 مدارس تقنية جديدة بكلفة 25 مليون دينار

حقوق الإنسان: حالات الاتجار بالبشر في الأردن محدودة للغاية

العمل: إعفاءات مالية لأصحاب المنازل عند تصويب العمالة الأجنبية

لجنة الاستثمار بنقابة الصحفيين تعقد اجتماعها الأول لبحث المشاريع

تعاون بين TGS والمركزية تويوتا ونادي السيارات لتعزيز السلامة المرورية في الأردن

في أسبوع واحد .. 125 قضية كريستال و201 شخصاً أمام مكافحة المخدرات

الشباب النيابية تبحث تحديات أندية كرة اليد وتوصي بزيادة الدعم المالي

من وسيط إلى حليف في الظل؟ .. باكستان تضغط لفتح باب سوريا أمام إيران

الصفدي: الأردن ثابت بموقفه الداعم لسياسة الصين الواحدة

سياحة الأعيان: ضرورة مواصلة تطوير موقع المغطس ومحيطه

سبب وفاة فؤاد حجازي تهز مواقع التواصل

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

قرار في جامعة حكومية يفتح ملف الصلاحيات القانونية

بيان شديد اللهجة من عشائر الخزاعية بشأن عرس مادبا: سنلجأ للقضاء

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

الذهب يلمع في الأردن اليوم .. أسعار

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

وفاة عشريني متأثرًا بإصابته برصاص والده في البلقاء

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

من 50 إلى 300 دينار .. أجور الإتلاف تقفز 500% ومكافآت جديدة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي